الدّين الخوارزميّ (1) : من سمع الغناء من المغنّي وغيره أو يري فعلا من الحرام فيحسّن ذلك باعتقاد أو بغير اعتقاد يصير مرتدّا في الحال بناء على أنّه أبطل حكم الشّريعة ومن أبطل حكم الشّريعة فلا يكون مؤمنا عند كلّ مجتهد ولا يقبل الله طاعته وأحبط الله كلّ حسناته أعاذنا الله سبحانه من ذلك والآيات والأحاديث والرّوايات الفقهيّة في حرمة الغناء كثيرة جدّا على حدّ يتعذّر إحصاؤها ومع هذه كلّها لو اورد شخص حديثا منسوخا أو رواية شاذّة في إباحة الغناء لا ينبغي اعتباره منه فإنّه لم يفت فقيه في وقت من الأوقات بإباحة الغناء ولم يجوّز الرّقص والضّرب بالأرجل كما هو مذكور في ملتقط الإمام الهمام ضياء الدّين الشّاميّ.
وعمل الصّوفيّة ليس بسند في الحلّ والحرمة أما يكفيهم أن نعذرهم ولا نلومهم ونفوّض أمرهم إلى الله تعالى والمعتبر هنا قول الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف والإمام محمّد رحمهم الله لا عمل الشّبليّ وأبي الحسين النّوريّ وقد جعلت الصّوفيّة القاصرون اليوم السّماع والرّقص دينهم وملّتهم مستندين إلى عمل مشائخهم واتّخذوه طاعتهم وعبادتهم أولئك الّذين اتّخذوا دينهم لهوا ولعبا. وقد علم من الرّواية السّابقة أنّ من استحسن الفعل الحرام فقد خرج من زمرة أهل الإسلام وصار مرتدّا فينبغي التّأمّل ماذا يكون شناعة تعظيم مجلس السّماع والرّقص بل اتّخاذه طاعة وعبادة ولله سبحانه الحمد والمنّة لم يبتل مشائخنا بهذا الأمر وخلّصوا أمثالنا المقلّدين من تقليد هذا الأمر وقد نسمع أنّ المخاديم يميلون إلى السّماع ويعقدون مجلس السّماع وقراءة القصائد في ليالي الجمعة وأكثر الأصحاب يوافقونهم في ذلك الأمر والعجب ألف عجب أنّ مريدي السّلاسل الاخر إنّما يرتكبون هذا الأمر مستندين إلى عمل مشائخهم ويدفعون الحرمة الشّرعيّة بعملهم وإن لم يكونوا محقّين في هذا الأمر في الحقيقة وما معذرة أصحابنا في ارتكاب هذا الأمر وفيه ارتكاب الحرمة الشّرعيّة من طرف وارتكاب مخالفة مشائخ طريقهم من طرف آخر فلا أهل الشّريعة راضون عن هذا الفعل ولا أهل الطّريقة فلو لم يكن فيه ارتكاب الحرمة الشّرعيّة لكان مجرّد إحداث أمر في الطّريقة شنيعا فكيف إذا اجتمع معه ارتكاب الحرمة الشّرعيّة. واليقين أنّ جناب الميرزا جيو لا يرضى بهذا الأمر ولكن لا يصرّح بالمنع أيضا رعاية للأدب معكم ولا ينهى الأصحاب عن هذا الإجتماع أيضا والفقير لمّا أحسست توقّفا في مجيئي كتبت هذه الفقرات وأرسلتها إليكم فينبغي قراءتها من أوّلها إلى آخرها عند الميرزا جيو والسّلام.
(1) هو محمود بن محمد بن العباس بن أرسلان، العباسي، الخوارزمي، الشافعي (ظهير الدين، أبو محمد) فقيه، محدث، مؤرخ، صوفي، واعظ، سمع وحدث ووعظ بالمدرسة النظامية، ثم رجع إلى بلده، وتوفي بها سنة 568 هـ تقريبا، من أهم مؤلفاته: الكافي في الفقه، وتاريخ خوارزم في ثمانية أجزاء. انظر: هدية العارفين للبغدادي 2/ 403، معجم المؤلفين لكحالة 3/ 829.