فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 1087

الحقّ جلّ وعلا بل ليس المشهود بعيون شهودهم غير الحقّ سبحانه وأمّا العوامّ فهو مزاحم له فيهم ولهذا فيهم ذهول تامّ عن هذا الشّهود وليس لهم خبر عن هذا الإدراك، وعين اليقين هذا حجاب علم اليقين كما أنّ علم اليقين حجابه وعند تحقّق هذا الشّهود لا يدرك شيء غير الحيرة والجهالة لا مجال للعلم في ذلك الموطن أصلا. قال بعض الكبراء قدّس الله تعالى سرّه: علم اليقين حجاب عين اليقين وعين اليقين حجاب علم اليقين.

وقال أيضا: وعلامة من عرف حقّ المعرفة أن يطّلع على سرّه فلا يجد علما به فذلك الكامل في المعرفة الّتي لا معرفة وراءها. وقال بعضهم أيضا قدّس الله أسرارهم العليّة: أعرفهم بالله أشدّهم تحيّرا فيه.

وحقّ اليقين عبارة عن شهوده سبحانه بعد ارتفاع التّعيّن واضمحلال المتعيّن وشهوده هذا للحقّ بالحقّ سبحانه لا به لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه وذلك يتصوّر في البقاء بالله الّذي هو مقام بي يسمع وبي يبصر الّذي يهب الحقّ سبحانه فيه للسّالك وجودا من عنده بمحض عنايته بعد تحقّقه بالفناء المطلق الّذي هو الفناء في ذاته وصفاته سبحانه وتعالى ويخرجه من السّكر والغيبة إلى الصّحو والإفاقة ويقال لهذا الوجود الوجود الموهوب الحقّانيّ وفي ذلك الموطن لا يكون العلم حجابا للعين ولا العين حجابا للعلم بل يكون في عين الشّهود عالما وفي عين العلم مشاهدا وهذا التّعيّن هو الّذي يجده العارف في ذلك الموطن عين الحقّ سبحانه لا التّعيّن الكونيّ فإنّه لم يبق منه أثر في نظر شهوده ولأنّه من التّجلّيات الصّوريّة الّتي هي أن يجد السّالك التّعيّنات والصّور عين الحقّ سبحانه وهي تعيّنات كونيّة لم يتطرّق إليها الفناء أصلا فأين أحدهما عن الآخر ما للتّراب وربّ الأرباب وظاهر العبارة وإن كان عند العوامّ موهما لعدم الفرق بين التّجلّي الصّوريّ الّذي هو وجدان السّالك نفسه عين الحقّ وبين حقّ اليقين الّذي هو أيضا وحدانه نفسه عين الحقّ لكن في الحقيقة فرق بينهما وهو أنّ التّعبير بأنا في التّجلّي الصّوريّ يقع على الصّورة في حقّ اليقين على الحقيقة وأيضا أنّ السّالك يرى الحقّ سبحانه في التّجلّي الصّوريّ بنفسه وفي هذا الموطن يرى الحقّ بالحقّ سبحانه لا بنفسه فإنّه لا يمكنه فيه رؤية نفسه فإطلاق الشّهود في التّجلّي الصّوريّ على سبيل التّجوّز فإنّه لا يمكن رؤية الحقّ بغير الحقّ سبحانه وهي في مرتبة حقّ اليقين الّتي تتحقّق فيها حقيقة الشّهود وبعض شيوخ الزّمان لمّا لم يطّلع على هذا الفرق ولم يعلم تعيّنا سوى التّعيّن الكونيّ أطال لسان الطّعن في الأكابر قدّس الله تعالى أسرارهم في تفسيرهم حقّ اليقين على النّهج الّذي قرّرته وزعم أنّ هذا اليقين قد يحصل في التّجلّي الصّوريّ الّذي هو أوّل القدم في السّلوك وهم فسّروا به حقّ اليقين الّذي هو نهاية الأقدام فكيف يستقيم بل حكم أنّ الحقّ اليقين الّذي حصل لهم في النّهاية يحصل لنا في التّجلّي الصّوريّ الّذي هو أوّل أقدامنا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والسّلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت