فإن عددت توسّط روحانيّة المشايخ في ذلك ينجرّ إلى الإطناب والتّطويل. وبالجملة قد جوزي بي من جميع مقامات الأصل كمجاوزتي مقامات الظّلّ، فماذا أبيّن من العنايات العديمة الغايات قبل من قبل بلا علّة وعرض عليّ من وجوه الولايات وكمالاتها ما لا يمكن تحريره. وأنزلت في ذي الحجّة إلى مقام القلب من مدارج النّزول وهذا المقام مقام التّكميل والإرشاد، ولكن لا بدّ من أشياء لتتميم هذا المقام وتكميله ومتى يتيسّر ذلك والأمر ليس بسهل ومع وجود المراديّة يقطع من المنازل ما لو أعطي المريدون عمر نوح لا يعلم تيسّره بل هذه الوجوه مخصوصة للمرادين ولا محلّ هنا للمريدين، ونهاية عروج الأفراد إلى بداية مقام الأصل فحسب، ولا مجاوزة للأفراد منها؛ ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) وهذا هو وجه التّوقّف في مراتب التّكميل والإرشاد وعدم النّورانيّة، إنّما هو بواسطة ظهور نور ظلمة الغيب لا شيء آخر، وقد يعجن النّاس في متخيّلاتهم أشياء لا ينبغي اعتبارها،
(شعر)
كيف يدري الأغبيا حال الكرام ... فاقصر الأقوال واسكت والسّلام
واحتمال الضّرر غالب في تخيّل مثل هذه الظّنون.
فينبغي أمر هؤلاء الجماعة بإغماض نظر خيالاتهم عن أحوال هذا المكسور البال فإنّ مثل هذا النّظر له مجال في محالّ أخرى كثيرة، (شعر) :
من كم شده أم مرا مجوييد ... با كم شدكان سخن مكوييد
(ترجمة) :
كفّوا الملام عن الّذي أفنى وجو ... ده في الاله واحذروا من بأسه
ينبغي التّفكّر في غيرة الحقّ جلّ سلطانه فإنّ التّكلّم والتّقوّل في تنقيص أمر يريد الحقّ سبحانه كماله غير مناسب جدّا بل هو في الحقيقة معارضته تعالى. والنّزول في مقام القلب المارّ ذكره آنفا نزول في مقام الفرق في الحقيقة الّذي هو مقام الإرشاد. والفرق في هذا الموطن عبارة عن امتياز النّفس عن الرّوح والرّوح عن النّفس بعد دخول النّفس في نور الرّوح الّذي هو الجمع وما فهم من الجمع والفرق قبل ذلك فهو من السّكر فإنّ رؤية الحقّ مفارقا ومنفكّا عن الخلق الّتي يزعمونها مقام الفرق لا حقيقة لها بل يزعمون الرّوح المذكورة حقّا ويزعمون رؤية مفارقتها وامتيازها عن النّفس رؤية مفارقة الحقّ وامتيازه تعالى وتقدّس عن الخلق. وعلى هذا القياس أكثر علوم أرباب السّكر فإنّ حقيقة الأمر مفقودة ثمّة والأمر
(1) الآية: 21 من سورة الحديد، والآية: 4 من سورة الجمعة.