فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 1087

من أهل الله القائلين بحصول هذا المقام الشّريف لأنفسهم وليس لهم مناسبة بعلوم هذا المقام ومعارفه فما وجهه: وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (1) .

واطّلعت أيضا على سرّ مسألة القضاء والقدر وعلمتها على نهج لا تقع المخالفة بينها وبين أصول ظاهر الشّريعة الغرّاء بوجه من الوجوه مبرّأة ومنزّهة عن نقص الإيجاب وشائبة الجبر وفي الظّهور كالقمر ليلة البدر، والعجب ما وجه إخفائها مع عدم مخالفتها أصول الشّريعة فلو كانت فيها شائبة المخالفة لكان للسّتر والإخفاء شيء من المناسبة: لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ (2) ، (شعر)

ومن الّذي في فعله يتكلّم ... دون الرّضا يا صاح والتّسليم

وتفاض العلوم والمعارف مثل فيضان المطر من سحاب الرّبيع بحيث تعجز القوّة المدركة عن تحمّلها وإطلاق القوّة المدركة مجرّد تعبير وإلّا فلا يحمل عطايا الملك إلّا مطاياه وقد كان في الأوائل شوق قيد هذه العلوم الغريبة بالكتابة ولكنّي لم أوفّق لذلك وكان لي تحرّج وثقل من هذه الجهة فسلّيت آخر الأمر بأنّ المقصود من إفاضة هذه العلوم حصول الملكة لا حفظها كما أنّ طلبة العلوم يحصّلون العلوم لينالوا ملكة المولويّة لا أنّهم يحصّلونها لأجل حفظ أصول الصّرف والنّحو وغيرهما ولنعرض بعض العلوم المذكورة قال الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (3) أوّل هذا الكلام إثبات التّنزيه المحض كما هو الظّاهر وقوله سبحانه وتعالى وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (4) متمّم ومكمّل للتّنزيه.

وبيانه أنّ ثبوت السّمع والبصر للمخلوق لمّا كان موهما لثبوت المماثلة ولو في الجملة نفى الله سبحانه عنهم السّمع والبصر لدفع هذا الوهم يعني أنّ السّميع والبصير هو تعالى ليس إلّا والسّمع والبصر الموجودتان في المخلوقات ليس لهما مدخل في السّماع والرّؤية فكما أنّ الحقّ سبحانه خلق السّمع والبصر كذلك يخلق السّماع والرّؤية بعد خلق هاتين الصّفتين بطريق جري العادة من غير تأثير لصفاتهم ولو قلنا بالتّأثير فالتّأثير فيها أيضا مخلوق فكما أنّ ذواتهم جماد محض كذلك صفاتهم أيضا جماد محض مثلا إذا خلق القادر بمحض قدرته كلاما في الحجر لا يقال إنّ الحجر متكلّم في الحقيقة وإنّ له صفة الكلام وفي هذه الصّورة كما أنّ الحجر جماد كذلك هذه الصّفة لو فرض أنّها موجودة فيه أيضا جماد لا مدخل له أصلا في ظهور الحرف والصّوت

وجميع الصّفات من هذا القبيل. غاية ما في الباب أنّ هاتين الصّفتين لمّا كانت أظهر من غيرهما خصّهما الله تعالى بنفيهما ويكون لزوم نفي البواقي منها بالطّريق الأولى. وخلق الله سبحانه يعني في

(1) الآية: 67 من سورة يوسف.

(2) الآية: 23 من سورة الأنبياء.

(3) الآية: 11 من سورة الشورى.

(4) الآية: 11 من سورة الشورى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت