القدرة مؤثّرة ولو في الجملة كما هو مذهب غير الأشعريّ من أهل السّنّة أو مدارا محضا كما هو مذهبه وبهذا يتميّز مذهب أهل الحقّ عن مذهب أهل الباطل. ونفي الفعل عن الفاعل حقيقة وإثباته له مجازا كما هو مذهب الجبريّة كفر محض وإنكار على الضّروريّ قال صاحب التّمهيد: ومن الجبريّة من قال بأنّ الفعل من العبد ظاهرا ومجازا إمّا في الحقيقة لا استطاعة له والعبد كالشّجرة إذا حرّكتها الرّيح تحرّكت فكذلك العبد مجبور كالشّجرة وهذا كفر ومن اعتقد هذا يصير كافرا وقال أيضا في مذهب الجبريّة:
قولهم أن ليس للعبد أفعال على الحقيقة لا في الخير ولا في الشّرّ وما يفعله العبد فالفاعل هو الله سبحانه وهذا كفر. فإن قلت: إذا لم يكن لقدرة العبد تأثير في الأفعال ولم يكن الإختيار له حقيقة فما معنى نسبة الأفعال إلى العبد حقيقة عند الأشعريّ قلت: إنّ القدرة وإن لم يكن لها تأثير في الأفعال الّا أنّه سبحانه جعلها مدارا لوجود الأفعال بأن يخلق الله تعالى الأفعال عقب صرف قدرتهم واختيارهم إلى الأفعال بطريق جري العادة وكأنّ القدرة علّة عادية لوجود الأفعال فيكون للقدرة مدخل في صدور الأفعال عادة لأنّها لم توجد بدونها عادة وإن لم يكن لها تأثير في الأفعال فباعتبار العلّة العادية تنسب إلى العباد أفعالهم حقيقة هذا هو النّهاية في تصحيح مذهب الأشعريّ والكلام بعد محلّ تأمّل (اعلم) أنّ أهل السّنّة والجماعة آمنوا بالقدر بأنّ القدر خيره وشرّه وحلوه ومرّه من الله سبحانه لأنّ معنى القدر هو الإحداث والإيجاد ومعلوم أن لا محدث ولا موجد الّا الله سبحانه لا إله الّا هو خالق كلّ شيء فاعبدوه والمعتزلة والقدريّة أنكروا القضاء والقدر وزعموا أنّ أفعال العباد حاصلة بقدرة العبد وحدها قالوا: لو قضى الله الشّرّ ثمّ عذّبهم على ذلك لكان ذلك جورا منه سبحانه وهذا جهل منهم لأنّ القضاء لا يسلب القدرة والإختيار عن العبد لأنّه قضى بأنّ العبد يفعله أو يتركه باختياره. (غاية ما في الباب) أنّه يوجب الإختيار وهو محقّق للاختيار لا مناف له وأيضا إنّه منقوض بأفعال الباري تعالى لأنّ فعله سبحانه بالنّظر إلى القضاء إمّا واجب أو ممتنع لأنّه إن تعلّق القضاء بالوجود فيجب أو بالعدم فيمتنع فإن كان وجوب الفعل بالإختيار منافيا له لم يكن الباري تعالى مختارا وهذا كفر ولا يخفى أنّ القول باستقلال قدرة العبد في إيجاد أفعاله مع كمال ضعفه في غاية السّخافة ومنشأ نهاية السّفاهة ولهذا بالغ مشائخ ما وراء النّهر شكر الله تعالى سعيهم في تضليلهم في هذه المسألة حتّى قالوا: إنّ المجوس أسعد حالا منهم حيث لم يثبتوا الّا شريكا واحدا.
والمعتزلة أثبتوا شركاء لا تحصى وزعمت الجبريّة أنّه لا فعل للعبد أصلا وأنّ حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة لهم أصلا ولا اختيار وزعموا أنّ العباد لا يثابون بالخير ولا يعاقبون بالشّرّ. والكفّار والعصاة معذورون غير مسئولين لأنّ الأفعال كلّها من الله تعالى والعبد مجبور في ذلك وهذا كفر وهؤلاء المرجئة الملعونون الّذين يقولون بأنّ المعصية لا تضرّ والعاصي لا يعاقب وروي عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال"لعنت المرجئة (1) على لسان سبعين نبيّا"ومذهبهم باطل بالضّرورة للفرق الظّاهر بين حركة
(1) اورده المناوى في كنوز الحقائق برمز البزار والسيوطي برمز الحاكم في التاريخ عن ابى امامة رضى الله عنه (القزاني رحمة الله