وتحصيل الإيمان بأنّه منزّه عن الكيف والمثال وأتمّ العبارات في النّفي والاثبات الكلمة الطّيّبة"لا إله إلّا الله"قال النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام"أفضل الذّكر لا إله إلّا الله» (1) . وقال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام حاكيا عن الله سبحانه"لو أنّ السّموات السّبع وعامرهنّ غيري والارضين السّبع وضعن في كفّة و"لا إله إلّا الله"في كفّة لمالت بهنّ"لا إله إلّا الله» (2) وكيف لا تكون أفضل وكيف لا تكون أرجح؟! فإنّ كلمة منها تنفي جميع ما سواه تعالى سواء أكان سموات أو أرضين أو عرشا أو كرسيّا أو لوحا أو قلما أو عالما أو آدم وكلمة أخرى منها تثبت المعبود بالحقّ جلّ برهانه الذي هو خالق السّموات والارضين وما سوى الحقّ جلّ وعلا من الآفاق والانفس كلّه متّسم بسمة الكيف والكمّ فكلّ ما يتجلّي في مرايا الآفاق والانفس يكون كيفيّا وكمّيّا بالضّرورة فيكون مستحقّا للنّفي فمعلومنا وموهومنا ومشهودنا ومحسوسنا كلّها متّصفة بالكيف والمثال ومكتنفة بعيوب الحدوث والامكان فإنّ معلومنا ومحسوسنا منحوت ومجعول والتّنزيه الذي يتعلّق علمنا به عين تشبيه والكمال الذي هو على مقدار فهمنا عين نقص كلّ ما يكون متجلّيا لنا أو مكشوفا أو مشهودا فهو غير الحقّ سبحانه وتعالى وهو تعالى وراء الوراء قال الله تبارك وتعالى حكاية عن الخليل عليه السّلام أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ والله خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ (3) ومنحوتنا كلّه مخلوق الحقّ سبحانه وتعالى سواء نحتّناه بأيدينا أو بعقولنا وأوهامنا ليس بمستحقّ للعبادة والمستحقّ للعبادة إنّما هو الإله المنزّه عن الكيف والمثال الذي يد وهمنا قاصرة عن الوصول إلى ذيل إدراكه وعيون كشفنا وشهودنا متحيّرة وعاجزة عن شهود عظمته وجلاله تعالى فالايمان بمثل هذا الإله المنزّه عن الكيف والمثال لا يتيسّر إلّا بطريق الغيب فإنّ الإيمان الشّهوديّ ليس إيمانا به تعالى بل هو إيمان بمنحوت نفسه الذي هو من مخلوقاته تعالى وإشراك الإيمان بغيره بالايمان به تعالى بل ايمان بغيره تعالى فقط اعاذ الله سبحانه من ذلك وانّما يتيسّر الإيمان بالغيب إذا لم يبق للوهم السّريع السّير مجال فيه ولم ينتقش منه شيء في المتخيّلة وهذا المعنى متحقّق في الاقربيّة الّتي هي خارجة عن حيطة الوهم والخيال فإنّ الشّيء كلّما يكون أبعد يكون مجال الوهم فيه أزيد وأوسع ويكون في الدخول تحت سلطنة الخيال أقرب وأسرع. (وهذه الدولة) مخصوصة بالانبياء عليهم الصّلاة والسّلام والايمان بالغيب نصيب هؤلاء الاكابر عليهم الصّلوات والتّسليمات بالاصالة وقد يشرّف به كلّ من أريد في حقّه ذلك"
(1) سنن الترمذي: ك: أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ب: ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة. ح 3443. عن جابر - رضي الله عنه - مرفوعا وقال: حسن غريب. سنن ابن ماجه ك: الأدب ب: فضل الحامدين. ح 1800. عن جابر رضي الله عنه - مرفوعا. وأخرجه النسائي في عمل الليوم والليلة،. في ثواب التسبيح وصححه الحاكم وأقره الذهبي. انظر: المناوي: فيض القدير: ح 1253. وصححه السيوطي في الجامع الصغير ح 1253.
(2) أخرجه النسائي بسند صحيح عن أبي سعيد. انظر: فتح الباري 11 / + (كتاب الدعوات باب فضل التّسبيح)
(3) الصافات: 95 - 96