فهرس الكتاب

الصفحة 634 من 1087

حصول تلك العدمات في الذّات - تعالت وتقدّست - وهو سبحانه منزّه عن ذلك وهذه شبهة عجيبة!! ألم يعلم أنّ الحقّ سبحانه يعلم الاشياء الشّريفة والكثيفة وليس لشيء منها حصول في حضرة الذّات تعالت ولا اتّصاف للذّات بشيء منها؟! فمن أين جاء الحصول في هذه الصّورة؟! ومنه أنّ حقائق الممكنات ينبغي أن تكون موجوديّة وثبوتيّة لا عدميّة فإنّ الحقائق عبارة عن أرواح الممكنات ونفوسها نعم: إنّ لها وجودا وثبوتا علميّين وهذا هو القدر اللّازم في الحقائق وكان ينبغي له أن يعترض بهذا الإعتراض أوّلا على الشّيخ محيي الدين ابن العربيّ لانّه قال"الأعيان ما شمّت رائحة الوجود"والعجب أنّه جعل الحقائق هنا عبارة عن أرواح الممكنات ونفوسها وترك الأعيان الثابتة ومعلومات الله تعالى.

ومنه أنّ الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام والأولياء عليهم الرّضوان وسائر أفراد الإنسان من الممكنات فلو كانت حقائق هؤلاء عدمات يكون الشّرف مسلوبا عن هؤلاء الزّمرة العليّة والكمال فيهم معدوما.

كيف يكون مسلوبا ومعدوما فإنّ الحقّ سبحانه جعل تلك العدمات بحكمته البالغة وقدرته الكاملة وبحسن تربيته مرايا عكوس أسمائه وصفاته وشرّف بشرف النّبوّة والولاية وجعل محلّى بحلية ظلال كمالاته وصيّر معزّزا ومكرّما كما أنّه سبحانه خلق الإنسان من ماء مهين وبلّغه الدرجات العلى.

(والعجب) أنّهم يلاحظون شرف الإنسان وكرامته ويضيّعون تنزيه الواجب وتقديسه تعالى وتقدّس ويقولون"الكلّ هو"ويزعمون الاشياء الخسيسة الرّذيلة عين الحقّ تعالى وتقدّس ولا يتحاشون عن امثال تلك المقولة ولا يجوّزون للانسان حقائق عدميّة ويتحاشون عنه أعطاهم الله سبحانه الإنصاف. ومنه أنّه لا يمكن رفع الكلام المجمع عليه بالمبتدع. نحن نرى الكلام المبتدع القول بأنّ الكلّ هو لا القول بأنّ الكلّ منه؛ فإنّه ممّا أجمع عليه العلماء وإنّما تتوجّه الملامة والشّناعة إلى صاحب الفصوص إلى هذا الزّمان بواسطة قوله: «الكلّ هو"وحاصل معارف الفقير الّتي كتبتها: «الكلّ منه"وهو مقبول شرعا وعقلا وكيف إذا كان مؤيّدا بالكشف والالهام (1) . ثمّ كتب الشّيخ بعد ذكر الإعتراضات تنزّلا إلى مقام الشّفقة أنّه لو أريد بحقائق الممكنات الارواح الإنسانيّة فموافق للجمهور. ولم أدر أيّ صنف أراد من

(1) الإلهام: لغة: مصدر ألهم والإلهام من الله تعالى: هو ما يقذفه الله في قلب عبده من الخير. يقال ك ألهمه الله تعالى خيرا: أى لقنه إياه. انظر: الفيروزابادي: القاموس المحيط / لهمه. ابن منظور: لسان العرب: لهم. أما عند الصوفية: فالمراد به: الإطلاع على الأسرار الغيبية بعين البصيرة في عالم المثال بلا شك وشبهة اطلاعا غيبيا. وصورته في البدايات: صدق الخواطر. وفي الأبواب: نفث الروح الأمين في الروع هتافا أو مشافهة أو محادثة. وفي المعاملات: إلقاء في القلب على سبيل التقييم أو الوحي القاطع. وفي الأخلاق: التهدي إلى الأخلاق الإلهية بهداية الحق. وفي الأصول: تلقي التأديبات الإلهية وشرائط السلوك وأحكام المنازل من الحق. وفي الأحوال: تلقي خصائص المحبة وأحكامها وقبول الجذبات الإلهية بلا تعمل ولا كسب بل بمحض الموهبة والإمتنان. وفي الولايات: الإبصار والسماع ببصيرة الحق وسمعيته.

وفي الحقائق: جلاء عين التحقيق بالحق حال الإتصال. وفي النهايات: التكلم بكلام الحق الأزلي بلا واسطة. انظر: الكاشاني: معجم اصطلاحات الصوفية: 298.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت