والمجاهدات الشّديدة وحصّل التّزكية وبدّل الاوصاف الرّذيلة بالاوصاف الحسنة وتيسّرت له التّوبة والإنابة وزال حبّ الدنيا عن قلبه وحصل له الصّبر والتّوكّل والرّضا وشاهد هذه المعاني الحاصلة له في عالم المثال بالتّدريج والتّرتيب ورأى نفسه طاهرا ومصفّى عن الكدورات البشريّة والصّفات الرّذيلة لكان قد أتمّ السّير الآفاقيّ البتّة واختار طائفة في هذا المقام الإحتياط وقرّروا الامر على تمثّل كلّ لطيفة من اللّطائف السّبعة الإنسانيّة في عالم المثال بصورة نور من الانوار المناسبة لها وجعلوا علامة صفاء كلّ لطيفة ظهور نور من تلك الانوار المثاليّة وابتدءوا هذا السّير من لطيفة القلب وأوصلوه بالتّدريج والتّرتيب إلى اللّطيفة الاخفى الّتي هي منتهى اللّطائف وجعلوا علامة صفاء قلب السّالك مثلا ظهور ذلك القلب في عالم المثال بصورة النّور الاحمر وجعلوا علامة صفاء الرّوح ظهوره بصورة النّور الاصفر وعلى هذا القياس فكان حاصل السّير الآفاقيّ أن يشاهد السّالك تبدّل أوصافه وتغيّر أخلاقه في مرايا عالم المثال وأن يحسّ زوال ظلماته وكدوراته في ذلك العالم حتّى يحصل له اليقين بصفائه ويثبت العلم بتزكيته ولمّا كان السّالك في هذا السّير يشاهد أحواله وأطواره ساعة فساعة في عالم المثال الذي هو من جملة الآفاق ورأى فيه انتقاله من هيئة إلى هيئة كأنّ سيره كان في الآفاق وإن كان هذا السّير في الحقيقة سيرا في نفس السّالك وكانت الحركة حركة كيفيّة في أخلاقه وأوصافه ولكن لمّا كان سطح نظره بعيدا في رؤيته كان ذلك آفاقا لا أنفسا وصار السّير أيضا منتسبا إلى الآفاق وقالوا بتمام السّير إلى الله عند تمام هذا السّير المنسوب إلى الآفاق وجعلوا الفناء مربوطا بهذا السّير وعبّروا عن هذا السّير بالسّلوك فإذا وقع السّير بعد ذلك يسمّونه سيرا أنفسيّا ويقال له أيضا السّير في الله ويثبتون البقاء بالله في هذا الموطن ويرون في هذا المقام حصول الجذبة بعد السّلوك ولمّا حصلت التّزكية للطائف السّالك في السّير الاوّل وتخلّصت عن الكدورات البشريّة حصلت لها قابليّة ظهور ظلال الإسم الجامع الذي هو ربّ السّالك وعكوس ذلك الإسم في مرايا تلك اللّطائف وتكون تلك اللّطائف موارد تجلّيات جزئيّات ذلك الإسم الجامع وظهوراتها وإنّما يسمّون هذا السّير بالسّير الانفسيّ لانّ الانفس صارت مرايا ظلال الاسماء وعكوسها لا إنّ سير السّالك في الانفس كما مرّ في السّير الآفاقيّ من أنّه قيل سيرا آفاقيّا باعتبار المرآتيّة لا لكون السّير في الآفاق وهذا السّير في الحقيقة سير في ظلال الاسماء في مرايا الانفس ولهذا قيل لهذا السّير سير المعشوق في العاشق.
(شعر) ما صورة المرآة من حركاتها ... لكنّها انطبعت بها لصفائها
= صفو الإرادات ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات ومن قلة الطعام موت الشهوات"انظر: الغزالي: مكاشفة القلوب: 1211. الكاشاني: معجم اصطلاحات الصوفية: 201، 202."