ولكنّ كلّها راجعة إلى الظّلال وتسلّ بالشّبه والمثال فإذا كان السّير الانفسيّ متعلّقا بالظّلال كما حقّقته في رسائلي ومكاتيبي يلزم أن يكون السّير الآفاقيّ متعلّقا بظلّ الظّلّ فإنّ الآفاق كالظّلّ للأنفس ومرآة لظهورها (ينبغي) أن يعلم أنّ مثل من يشاهد أحوال الانفس في مرآة الآفاق ويعلم الصّفاء والتّخلية منها كمثل من يرى نفسه في المنام أو في الواقعة في عالم المثال سلطانا أو يشاهد فيه نفسه قطب الوقت (1) فهو في الحقيقة ليس بسلطان ولا قطب الوقت فإنّ السّلطان والقطب من يكون مشرّفا في الخارج بمنصب السّلطنة أو القطبيّة غاية ما في الباب أنّه يعلم من هذا المنام أو الواقعة استعداد السّلطنة وقابليّة القطبيّة ينبغي بذل الرّوح حتّى تخرج المعاملة من القوّة إلى الفعل وتنتقل من المراسلة إلى المعانقة وفيما نحن فيه أيضا التّزكية والتّحلية منوطة بالسّير الانفسيّ وما رآه في السّير الآفاقيّ فهو استعداد التّزكية وقابليّة التّحلية فما لم ير نفسه مزكّى ومطهّرا فهو الخارج بالسّير الانفسيّ ولم يدرك نفسه مصفّى بوجدانه فليس له نصيب من الفناء في الحقيقة ولا حظّ له من التّحقّق بالمقامات ولم يحصل من الاطوار السّبعة غير القشر فكان السّير الانفسيّ داخلا في السّير إلى الله بالضّرورة وكانت تماميّة السّير إلى الله الّتي هي مقام الفناء مربوطة بالسّير الانفسيّ والسّير في الله يتصوّر بعد السّير الانفسيّ بمراحل.
(شعر)
كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف
(أيّها السّعيد) إنّ التّعلّق العلميّ والحبّيّ الذي كان منسوبا إلى ذات السّالك إذا زال في السّير الانفسيّ يرتفع التّعلّق الذي كان بنفسه ويزول تعلّقه بالأغيار أيضا في ضمن زوال تعلّقه بنفسه فإنّ علائقه بالأغيار إنّما هي بواسطة علاقته بنفسه كما تقدّم تحقيقه فصحّ أنّ السّير الآفاقيّ يقطع في ضمن السّير الانفسيّ ونجي السّالك بهذا السّير الواحد من علائق الاغيار ومن علائق نفسه أيضا فبمقياس ذلك التّحقيق صحّ معنى السّير الانفسيّ والسّير الآفاقيّ من غير تكلّف فإنّ السّير في الحقيقة في الانفس وفي الآفاق أيضا فإنّ قطع تعلّقات الانفس بالتّدريج سير في الانفس وقطع التّعلّقات الآفاقيّة الذي هو يحصل في ضمن السّير الانفسيّ سير في الآفاق بخلاف السّير الآفاقيّ والسّير الانفسيّ بطور الآخرين فإنّه يحتاج فيهما إلى التّكلّف كما مرّ نعم إنّ كلّ محلّ فيه حقيقة فهو محرّر عن التّكلّف والله سبحانه الموفّق (اسمع اسمع) انّ ظهور أسماء الواجب وصفاته جلّ سلطانه في مرآة السّالك الذي أثبتوه في السّير الانفسيّ وظنّوه تحلية بعد تخلية ليس ذلك الظّهور في الحقيقة ظهور الاسماء والصّفات ولا هو تحلية بعد تخلية بل هو ظهور ظلّ من ظلال الاسماء والصّفات ومحصّل للتّحلية ومسهّل للتّزكية والتّصفية. بيانه أنّ السّبقة من ذلك الطّرف؛ لانّها مناسبة للمبدائيّة فيحصل أوّلا ظهور ظلّ من ظلال المطلوب في مرآة الطّالب حتّى يزيل
(1) سبق