الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد سألت أنّ الصّوفيّة قائلون بوحدة الوجود ويعتقد العلماء هذا القول كفرا وزندقة وكلتا الطّائفتين من الفرقة النّاجية فما حقيقة هذه المعاملة عندك.
(أيّها المحبّ) إنّ هذا الفقير قد كتب تحقيق هذا المبحث في مكتوباته ورسائله بالتّفصيل وجعل نزاع الفريقين راجعا إلى اللّفظ ومع ذلك لمّا سألت لا بدّ للسّؤال من الجواب فلنكتب كلمات بالضّرورة (اعلم) أنّ كلّ من يقول من الصّوفيّة العليّة بوحدة الوجود ويرى الاشياء عين الحقّ سبحانه ويحكم بأنّ الكلّ هو ليس مراده إنّ الاشياء متّحدة بالحقّ جلّ وعلا وإنّ التّنزيه صار تشبيها متنزّلا وكان الواجب ممكنا وانقلب اللّامثليّ مثليّا فإنّ هذه كلّها كفر وإلحاد وضلالة وزندقة ليس هناك اتّحاد ولا عينيّة ولا تنزّل ولا تشبّه فهو سبحانه الآن كما كان فسبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا بأسمائه بحدوث الاكوان وهو سبحانه على صرافة إطلاقه ما مال من أوج الوجوب إلى حضيض الإمكان بل معنى الكلّ هو أنّ الاشياء معدومة والموجود هو تعالى وتقدّس وليس مراد الحسين بن منصور الحلّاج (1) من قوله"أنا الحقّ"بأنّي حقّ ومتّحد بالحقّ فإنّه كفر وموجب لقتله بل معنى قوله بأنّي معدوم والموجود هو الحقّ سبحانه غاية ما في الباب أنّ الصّوفيّة يرون الاشياء مرايا ظهورات الحقّ تعالى وتقدّس ويظنّونها مجالي أسمائه وصفاته سبحانه من غير شائبة التّنزّل وبلا مظنّة التّغيّر والتّبدّل كما إذا امتدّ ظلّ شخص لا يمكن أن يقال: إنّ ذلك الظّلّ متّحد بذلك الشّخص وله نسبة العينيّة معه أو إنّ ذلك الشّخص تنزّل فظهر في صورة الظّلّ بل ذلك الشّخص على صرافة اصالته ووجد الظّلّ منه من غير شائبة التّنزّل والتّغيّر وإن اختفى وجود الظّلّ في بعض الاوقات عن نظر جماعة بواسطة كمال محبّتهم بوجود الشّخص بحيث لا يكون مشهودهم شيئا غير الشّخص أصلا فح لعلّهم يقولون: إنّ الظّلّ عين الشّخص يعني: الظّلّ معدوم والموجود هو ذلك الشّخص فقط فلزم من هذا التّحقيق أنّ الاشياء عند الصّوفيّة مرايا ظهورات الحقّ لا عينه تعالى وتقدّس فتكون الاشياء من الحقّ لا الحقّ جلّ شأنه فيكون معنى كلامهم الكلّ هو الكلّ منه وهو مختار العلماء الكرام فلا يكون النّزاع بين العلماء الكرام والصّوفيّة العظام كثرهم الله سبحانه إلى يوم القيامة ثابتا في الحقيقة ويكون مآل القولين واحدا وإنّما الفرق أنّ الصّوفيّة يقولون: إنّ الاشياء مرايا ظهورات الحقّ تعالى والعلماء يتحاشون من هذا اللّفظ أيضا من جهة التّحرّز من توهّم الحلول والإتّحاد.
(1) الحسين بن منصور الحلاج أبو مغيث: فيلسوف يعد تارة في كبار المتعبدين والزهاد وتارة في زمرة الملحدين أصله من بيضاء فارس ونشأ بواسط العراق وانتقل إلى البصرة وحج ودخل بغداد وعاد إلى تستر ظهر أمره سنة 299 هـ فاتبع بعض الناس طريقته في التوحيد والإيمان وكان ينتقل بين البلدان وينشر طريقته سرا وقيل كان يدعي حلول الألوهية فيه أورد ابن النديم أسماء 46 كتابا له غريبة الأسماء والأوضاع منها: طاسين الأزل والجوهر الأكبر والشجرة النورية الظل المدود والماء المسكوب والحياة الباقية قرآن القرآن والفرقان السياسة والخلفاء والامراء علم البقاء والفناء مدح النبي والمثل الأعلى ... وغير ذلك وكثرت الوشايات به إلى الخليفة العباسي المقتدر بالله فأمر بالقبض عليه فسجن وعذب وضرب ثم قتل سنة 309 هـ. انظر: روضات الجنات: 226 لسان الميزان 2/ 314 وفيات الأعيان 1/ 146 الأعلام للزركلي 2/ 260.