الرّأي الذي فيه احتمال الصّواب والخطأ ولكن لا مجال لهذا المعنى في إعلامه تعالى لانّ كونه متردّدا بين الخطأ والصّواب غير جائز بل الحكم عند الحقّ جلّ وعلا واحد فإن كان حلّا لا مجال للحرمة وإن كان حرمة لا مجال للحلّ. (أجيب) يجوز أن يكون بالنّسبة إلى قوم حلّا وبالنّسبة إلى قوم آخر حرمة فيكون حكم الله تعالى متعدّدا في واقعة واحدة بالنّسبة إلى تعدّد القوم ولا محذور نعم هذا المعنى لا يصحّ في أمّة خاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ كافّة الأنام محكوم عليهم في هذه الشّريعة بحكم واحد ليس لله سبحانه فيها حكمان في واقعة واحدة (فإن قيل) إذا حكم نبىّ من الانبياء أولي العزم بحلّ أمر وحكم نبىّ آخر متابع بالحرمة في ذلك الامر يلزم أن يكون الحكم الثاني ناسخا للحكم الاوّل وهذا غير جائز فإنّ النّسخ (1) مخصوص بأولي العزم لا يكون غيره ناسخا (أجيب) انّ النّسخ إنّما يلزم إذا كان الحكم الثاني عامّا بالنّسبة إلى كافّة الأنام فيرفع الحكم الاوّل الذي كان بالنّسبة إلى قوم مخصوص والحكم الثاني ليس بعامّ هنا بل هو حكم بالحرمة مثلا بالنّسبة إلى قوم مخصوص فلا منافاة بينه وبين الحكم الاوّل ألا ترى أنّ مجتهدا يحكم في واقعة بالحلّيّة ويحكم مجتهد آخر في عين تلك الواقعة بالحرمة ولا نسخ فيه أصلا وإن كان بين هذا وبين ذاك تفاوتا فاحشا فإنّ هنا رأى وهناك اعلام وفي الرّأي مجال لتعدّد الحكم وفي الإعلام لا مجال للتعدّد ولكنّ تعدّد القوم يجيز ذلك كما مرّ فأحكام الشّرائع المتقدّمة المفهومة من كتب الانبياء أولي العزم وصحفهم بحسب اللّغة لا مجال للمخالفة فيها أيضا للأنبياء المتابعين بل وردت تلك الاحكام بالنّسبة إلى كافّة الأنام فكلّ نبىّ متابع إلى اىّ قوم أرسل وأيّ قوم يدعو لا يبلغهم خلاف تلك الاحكام فإن حلّا فللكلّ وإن حرمة فعلى الجميع إلى أن يبعث نبيّ آخر من أولي العزم فيرفع هذا الحكم ففي هذا الوقت يتصوّر النّسخ فالنّسخ إنّما هو باعتبار الاحكام المأخوذة من الصّحف المنزّلة بحسب اللّغة والأحكام الّتي ثبتت بالاجتهاد والإعلام ونسبت إلى القياس والسّنّة فالنّسخ غير متصوّر فيها فإنّ هذه الاحكام إنّما هي بالنّسبة إلى بعض دون بعض فاجتهاد نبىّ وكذلك سنّته لا يكونان رافعين لاجتهاد نبىّ آخر وسنّته فإنّ ذاك بالنّسبة إلى قوم وهذا بالنّسبة إلى قوم آخرين فإن كان اختلاف الحكمين بالنّسبة إلى كافّة الأنام أو بالنّسبة إلى قوم واحد فهو نسخ البتّة كما أنّ الحكم في شريعتنا بالنّسبة إلى كافّة الأنام والحكم الثاني ناسخ للحكم الاوّل فسنّة نبيّنا عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات اللّاحقة تكون ناسخة لسنّته السّابقة ولا يجوز نسخ هذه الشّريعة بعد نزول عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ومتابعته لهذه الشّريعة واتّباعه لسنّة نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام. (يكاد) ينكر علماء الظّاهر لمجتهداته على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام من كمال الدقّة وغموض المأخذ ويزعمونها مخالفة للكتاب والسّنّة ومثل روح الله مثل الامام الاعظم الكوفىّ فإنّه ببركة الورع والتّقوى وبدولة متابعة السّنّة
(1) النسخ: لغة: عبارة عن التبديلا والرفع والإزالة. وشرعا: هو أن يرد دليل شرعي متراخيا عن دليل شرعي مقتضيا خلاف حكمه فهو تبديل بالنظر إلى علمنا وبيان لمدة الحكم بالنظر إلى علم الله تعالى. انظر: الجرجاني: التعريفات: 309.