مخصوصة بكمال أفراد الإنسان يعني: أنّ معاملة الإنسان الكامل تبلغ مبلغا يجعل قيّوما لجميع الاشياء بحكم الخلافة. وتحصل إفاضة الوجود وبقاء سائر الكمالات الظّاهريّة والباطنيّة للكلّ بتوسّطه فان كان ملك فبه متوسّل وإن كان إنس أو جنّ فبه متشبّث وفي الحقيقة توجّه جميع الاشياء إلى جانبه. والكلّ مائل إليه عرفوا هذا المعنى أوّلا إنّه كان ظلوما جهولا كثير الظّلم على نفسه بحيث لا يبقى من وجوده ولا من توابع وجوده أثر ولا حكم وما لم يظلم نفسه بمثل هذا لا يكون مستحقّا لتحمّل ثقل الامانة جهولا كثير الجهل بحيث لا يكون له علم ولا إدراك بالمطلوب بل عجز عن الإدراك وجهل عن العلم بالمقصود وهذا العجز والجهل في ذلك الموطن كمال المعرفة لانّ أجهلهم أعرفهم ثمّة ولا شكّ أنّ أعرفهم أليق بحمل الامانة وهذان الوصفان كأنّهما علّتان لحمل ثقل الامانة وهذا العارف الذي تشرّف بمنصب قيّوميّة الاشياء حكمه حكم الوزير حيث فوّضت كفاية مهمّات المخلوقات إليه والإنعامات وإن كانت في الحقيقة من السّلطان ولكنّ وصولها إلى أربابها مربوط بتوسّط الوزير ورئيس أهل هذه الدولة أبو البشر آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وهذا المنصب مخصوص بالأنبياء أولي العزم عليهم الصّلاة والتّحيّات أصالة ويشرّف به بتبعيّة هؤلاء الاكابر ووراثتهم كلّ من أريد له ذلك (ع) لا عسر في أمر مع الكرام * والطّائفة الاولى من وارثي الكتاب الذين هم المصطفون من عباده تعالى هم هؤلاء الظّالمون لانفسهم الذين تشرّفوا بمنصب الوزارة والقيّوميّة. والطّائفة الثانية من هؤلاء المصطفين الذين عبّر الله تعالى عنهم بالمقتصد من تشرّفوا بدولة الخلّة وصاروا أصحاب سرّ ومشورة ومعاملة الملك والسّلطنة وإن كانت مربوطة بالوزير ولكنّ الخليل نديم وصاحب أنس وألفة هذا لاجل فرح نفسه وذاك لاجل مهمّات الآخرين. شتّان ما بينهما ورأس أرباب هذا المقام العالي إبراهيم خليل الرّحمن على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ويشرّف به كلّ من أريد له ذلك وفوق مقام الخلّة مقام المحبّة الذي تشرّف به الطّائفة الثالثة الذين هم السّابقون بالخيرات باذن الله وفرّق بين الاصحاب والنّديم والمحبّ والمحبوب والأسرار والمعاملات الّتي تمرّ وتمضي على المحبّ والمحبوب لا مدخل فيها للأحباب والنّديم وإن كان يمكن إيراد أسرار حقيقة المحبّة في البين في وقت كمال الانس والألفة مع الخليل الجليل القدر ويمكن أن يجعله محرما لأسرار المحبّ والمحبوب. ورئيس حلقة المحبّين كليم اللهعلى نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ورئيس زمرة المحبوبين خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلوات والتّحيّات والتسليمات ويشرّف بهذين المقامين بتبعيّة أصحاب هاتين الدولتين ووراثتهم كلّ من أريد له ذلك. والمقامات الّتي فوق مقام المحبّة قد ذكرت في مكتوب من مكتوبات الجلد الثاني للفقير. والصّدارة فيها أيضا لمحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكلّها داخلة في مقام السّابقين الذي هو نصيب الفرقة الثالثة من وارثي الكتاب. رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2)
(1) الكهف: 10
(2) طه: 47