وقاصرين في تعيين موادّ غلط تلك الدلائل يقعون في الإشتباه بل يعتقدون ذهبيّته يقينا وينسون حسّهم بل يتّهمونه والذّكيّ ينبغي أن يعتمد على ضرورة الحسّ وأن يتّهم المقدّمات المموّهة وفيما نحن فيه أيضا أنّ جلالة شأن الخلفاء الثلاثة وعلوّ درجاتهم بل جلالة جميع أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بمقتضى الكتاب والسّنّة محسوسة ومشهودة وقدح القادحين وطعن الطّاعنين فيهم بدلائل مموّهة كالقدح والطّعن في وجود ذلك الحجر ومغالطتهم فيه رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (1) فيا ليت شعري ما حملهم على سبّ أكابر الدين وطعن كبراء الإسلام وليس طعن أحد وسبّ شخص من الفسقة والكفرة ممّا يعدّ في الشّرع عبادة وكرامة وفضيلة ووسيلة إلى نجاة فكيف سبّ هداة الدين وطعن حماة الإسلام ولم يرد في الشّرع أنّ سبّ أعداء الرّسول عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام كأبي جهل وأبي لهب مثلا وطعنهم ممّا يعدّ عبادة وكرامة بل الإعراض عنهم وعن أحوالهم أولى وأنسب وأسلم عن تضييع الوقت والإشتغال بما لا يعنيه. تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عمّا كانوا يعملون. قال الله سبحانه وتعالى في القرآن المجيد في صفة أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (2) فظنّ العداوة والشّحناء في حقّ هؤلاء الاكابر مناف لنصّ القرآن. وأيضا إن إثبات العداوة والحقد في هؤلاء الاكابر يستلزم القدح في كلا الفريقين ويرفع الامان من الطّائفتين فيلزم أن يكون كلا الفريقين من الاصحاب مطعونا فيهم عياذا بالله سبحانه من ذلك فيكون أفضل النّاس بعد الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام شرّ النّاس ويكون أفضل القرون شرّ القرون فإنّ أهل ذاك القرن كانوا كلّهم متّصفين بالعداوة والحقد ولا يجترئ على التّفوّه بذلك أحد من المسلمين ولا يجوز هذا المعنى أيّ جلالة وأيّ عظمة لعليّ - كرّم الله وجهه - في كون الخلفاء الثلاثة معادين له ويكون فيه عداوة مبطنة لهؤلاء الحضرات وما ذاك الّا قدح في الطّرفين لم لا يكون بعضهم مع بعض كاللّبن مع السّكّر ولا يكون بعضهم فانيا في البعض ولم يكن أمر الخلافة مرغوبا فيه عندهم ومطلوبا لهم حتّى يكون سببا للعداوة والحقد. كيف وقول"أقيلوني"معروف ومشهور من الصّدّيق وقال الفاروق: لو وجدت من يشتري الخلافة لبعتها على دينار. ومحاربة عليّ - كرّم الله وجهه - مع معاوية ومنازعته معه لم تكن بواسطة الميل إلى أمر الخلافة والرّغبة فيه بل لكون القتال مع البغاة فرضا ودفعهم ضروريّا قال الله تبارك وتعالى (فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيئ إلى أمر الله) . غاية ما في الباب أنّ محاربي عليّ لمّا كانوا باغين مأوّلين وأصحاب رأي واجتهاد وإن كانوا مخطئين في هذا الإجتهاد كانوا مبرّئين عن الطّعن والملامة وبعيدين عن التّفسيق والتّكفير قال عليّ في شأنهم: إخواننا بغوا علينا ليسوا كفرة ولا فسقة لما لهم من التّأويل. قال الشّافعيّ وهو منقول عن عمر بن عبد العزيز تلك دماء طهّر الله عنها أيدينا فلنطهّر
(1) آل عمران: 8
(2) الفتح: 29.