العلماء أقرب إلى الصّواب في الحقيقة، وإذا قال هؤلاء الصّوفيّة بنفسهم بأنّ ذات الحقّ سبحانه وتعالى لا يحكم عليها بحكم يكون الحكم عليها بالإحاطة والسّريان مخالفا لهذا القول. والحقّ أنّ ذاته تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (1) لا سبيل لحكم من الأحكام إليها أصلا، بل في ذلك الموطن الحيرة الصّرفة والجهالة المحضة فكيف يتطرّق السّريان والإحاطة إليها ويمكن الإعتذار من جانب الصّوفيّة القائلين بهذه الأحكام بأنّ مرادهم بالذّات هو التّعيّن الأوّل فإنّهم لمّا لم يقولوا بزيادة ذلك التّعيّن على المتعيّن قالوا لذلك التّعيّن عين الذّات وذلك التّعيّن الأوّل المعبّر عنه بالواحديّة سار في جميع الممكنات فحينئذ يصحّ الحكم بالإحاطة الذّاتيّة. (وههنا) دقيقة ينبغي أن يعلم أنّ ذات الحقّ تعالى وتقدّس عند علماء أهل الحقّ منزّهة عن المثل والكيف وكلّ ما سواها زائد عليها حتّى انّ ذلك التّعيّن لو كان ثابتا عندهم لكان زائدا على الذّات وخارجا عن دائرة اللّامثليّة واللّاكيفيّة، فلا يقال لإحاطته إحاطة ذاتيّة. فكان نظر العلماء أعلى من نظر هؤلاء الصّوفيّة; فإنّ الذّات عندهم كانت داخلة فيما سواها عند العلماء. وعلى هذا القياس القرب والمعيّة الذّاتيّان وموافقة المعارف الباطنيّة لعلوم ظاهر الشّريعة بتمامها وكمالها بحيث لا يبقى مجال المخالفة في النّقير والقطمير، إنّما هي في مقام الصّدّيقيّة الّذي هو فوق مقام الولاية وفوق مقام الصّدّيقيّة مقام النّبوّة. والعلوم الحاصلة للنّبيّ بطريق الوحي منكشفة للصّدّيق بطريق الإلهام وليس بين هذين العلمين فرق سوى كون حصول أحدهما بالوحي والآخر بالإلهام، فكيف يكون للمخالفة مجال فيه وفي كلّ مقام دون مقام الصّدّيقيّة نحو من السّكر.
والصّحو التّامّ إنّما هو في مقام الصّدّيقيّة فحسب وفرق آخر بين هذين العلمين أنّ في الوحي قطعا وفي الإلهام ظنّا فإنّ الوحي بتوسّط الملك والملائكة معصومون ليس فيهم احتمال الخطأ، والإلهام وإن كان له المحلّ المعلّى والمنزل الأعلى الّذي هو القلب الّذي هو من عالم الأمر لكن للقلب نحو من التّعلّق بالعقل والنّفس، والنّفس وإن صارت مطمئنّة بالتّزكية لكنّها لا ترجع عن صفاتها أصلا باطمئنانها فكان للخطأ مجال في ذلك الميدان.
وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ لبقاء صفات النّفس مع وجود اطمئنانها منافع كثيرة وفوائد عديدة فإنّه لو كانت النّفس ممنوعة عن ظهور صفاتها بالكلّيّة لكان طريق التّرقّي مسدودا ولظهر في الرّوح صفة الملك بحيث تصير محبوسة في مقامها فإنّ ترقّيها إنّما هو بواسطة مخالفتها النّفس، فإن لم تبق في النّفس مخالفة فمن أين يحصل التّرقّي ولمّا رجع سيّد الكائنات عليه أفضل الصّلوات وأكمل التّسليمات من الجهاد مع الكفّار مرّة قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (2) فقال للجهاد مع النّفس
(1) الآية: 11 من سورة الشورى.
(2) قال السيوطي روى الخطيب في تاريخه من حديث جابر قال قدم النبي عليه السلام من غزاة لهم فقال النبي علية السلام قدمتم خير مقدم وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا وما الجهاد الأكبر قال مجاهدة العبد هواه انتهى من موضوعات على