لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (1) وقال أيضا لهامان يا هامانُ اِبْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إلى إِلهِ مُوسى وإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا (2)
(وبالجملة) انّ العقل قاصر في إثبات هذه الدولة العظمى لا يكاد يهتدي إليها بدون هداية هؤلاء الأكابر ولمّا اشتهرت دعوة الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات إلى الله الذي هو خالق الارض والزّمان والسّموات وتواترت وعلت كلماتهم وارتفعت اطّلع سفهاء كلّ وقت كان لهم تردّد في ثبوت الصّانع على قبائحهم وقالوا بوجود الصّانع بلا اختيار وجعلوا الاشياء مستندة إليه تعالى وهذا نور مقتبس من أنوار الانبياء ونعمة مستفادة من موائدهم عليهم الصّلوات والتّسليمات إلى يوم التّناد بل إلى أبد الآباد وكذلك سائر السّمعيّات بلغتنا بتبليغ الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام من وجود صفاته تعالى الكاملة وبعثة الانبياء وعصمة الملائكة عليهم السّلام ومن الحشر والنّشر ومن وجود الجنّة والنّار والتّنعيم والتّعذيب الدائمين وأمثالها ممّا نطقت به الشّريعة والعقل قاصر عن إدراكه وناقص في إثباته من غير سامع من هؤلاء الاكابر لا استقلال له في شيء منها وكما أنّ طور العقل وراء طور الحسّ حيث يدرك بالعقل ما لا يدرك بالحسّ طور النّبوّة أيضا وراء طور العقل يدرك بها ما لا يدرك بالعقل ومن لم يثبت للمعرفة طريقا وراء طور العقل فهو في الحقيقة منكر لطور النّبوّة ومصادم للبداهة فلا بدّ من وجود الانبياء ليدلّوا على كيفيّة أداء شكر النّعم الذي هو واجب عقلا وليظهروا تعظيم مولى النّعم جلّ وعلا المتعلّق بالعلم والعمل المتلقّى من قبله سبحانه فإنّ التّعظيم الذي لم يكن مستفادا من عنده سبحانه لا يكون لائقا بأداء شكره تعالى فإنّ القوّة البشريّة عاجزة عن إدراكه بل كثيرا ما يظنّ غير تعظيمه تعالى تعظيما فيعدل عن الشّكر إلى الهجو وطريق استفادة تعظيمه سبحانه من حضرته تعالى وتقدّس مقصور على النّبوّة ومنحصر في تبليغ الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام والالهام الذي هو للأولياء عليهم السّلام مقتبس من أنوار النّبوّة ومستفاض من بركات متابعة الانبياء وفيوضها فلو كان العقل كافيا في هذا الامر لما بقي فلاسفة اليونان الذين جعلوا مقتداهم عقولهم في تيه الضّلالة ولعرفوا الحقّ سبحانه قبل كلّ النّاس والحال أنّ أشدّ النّاس جهالة في ذات الحقّ وصفاته سبحانه هو هؤلاء حيث زعموا الحقّ سبحانه فارغا ومعطّلا ولم يجعلوا غير شيء واحد مستندا إليه تعالى وهو أيضا بالإيجاب لا بالاختيار ونحتوا من عندهم عقلا فعّالا ونسبوا الحوادث إليه مانعين إيّاها من خالق السّموات والارض وصرفوا الاثر عن المؤثّر الحقيقيّ جلّ شأنه وزعموه أثر منحوتهم فإنّ المعلول عندهم أثر العلّة القريبة لا يرون للعلّة البعيدة تأثيرا في حصول المعلول وزعموا عدم استناد الاشياء إليه سبحانه من جهلهم كمالا له سبحانه وظنّوا التّعطيل تبجيلا إيّاه والحال أنّ الحقّ سبحانه يمدح
(1) الآية: 29 من سورة القصص.
(2) الآية: 38 من سورة القصص.