صرافته يقينا بل تعرض له هيئة أخرى فالصّورة كما أنّها محرومة من باطن الشّيء محرومة أيضا من ظاهره فلا يكون علم تلك الصّورة مستلزما لعلم ذلك الشّيء كما هو بالضّرورة (وبالجملة) أنّ المعلوم هو ما يكون كائنا في الذّهن ولمّا كان الكائن في الذّهن الصّورة يكون المعلوم أيضا هو تلك الصّورة ولمّا كانت بين الصّورة والشّيء نسبة التباين والتّغاير لا يكون علم الصّورة مستلزما لعلم الشّيء كما هو والعلم الحضورىّ هو الذى يكون الحاضر فيه في المدركة نفس الشّيء من غير أن يتخلّل في البين شيء من الظّلّ والصّورة فيكون المعلوم في هذا العلم هو نفس الشّيء لا صورة من صوره فيكون العلم الحضوريّ أشرف بل يكون العلم هو فقط لا غير ويكون ما سواه من العلم الحصوليّ جهلا مشتبها بصورة العلم والمتّصف بالجهل المركّب من يزعم جهله علما ولا يدري بأنّه لا يدري فلا يكون للعلم الحصوليّ إلى ذاته وصفاته تعالى سبيل ولا تكون الذّات والصّفات الواجبيّة تعالت وتقدّست معلومة بهذا العلم فإنّ هذا العلم في الحقيقة علم بصورة المعلوم لا بنفس المعلوم كما مرّ ولا سبيل للصّورة في حضرته جلّ سلطانه حتّى يظنّ العلم بالصّورة علما بالأصل وإن قال البعض: إنّ الحقّ سبحانه وان لم يكن له مثل ولكن له تعالى مثال ولكنّ هذه الصّورة المثاليّة على تقدير ثبوتها تميّز تلك الصّورة المنفيّة الّتي يتعلّق بها العلم يمكن أن تكون الصّورة كائنة في المثال الذي هو أوسع المخلوقات ولا تكون ثابتة في الذّهن وهذا الحديث القدسيّ"لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن"مخصوص بقلب العبد المؤمن الذى معاملته مغايرة لمعاملة سائر النّاس لتشرّفه بالفناء والبقاء وتخلّصه من الحصول وتحقّقه بالحضور فإن كان هناك التّوسّع فهو باعتبار الحضور لا باعتبار الحصول (ع) في أيّ مرآة يكون مصوّرا * (ينبغي أن يعلم) أنّ في العلم الحضوريّ اتّحاد العالم بالمعلوم فزوال هذا العلم عن العالم لا يجوز فإنّ المعلوم هو نفسه فلا ينفكّ عنه بل العلم ثمّة عين العالم وعين المعلوم فأين المجال للانفكاك.
(ينبغي أن يعلم) أنّ المعلوم لمّا كان في العلم الحضوريّ نفس الشّيء لا صورته ينكشف المعلوم فيه كما هو بالضّرورة ويصير معلوما بالكنه فإنّ كنه الشّيء عبارة عن نفس الشّيء ولمّا كان جميع الوجوه والاعتبارات ساقطة وبقي نفس الذّات الحاضرة عند المدركة صار كنهها معلوما بخلاف العلم الحصوليّ فإنّ المعلوم هناك وجوه الشّيء واعتباراته الّتي هي صوره وأشباحه لا نفسه كما مرّ فلا يكون المعلوم هناك كنه الشّيء ولا يكون الشّيء فيه معلوما بكنهه غاية ما في الباب أنّ في العلم الحصوليّ انكشاف الشّيء ودرك الشّيء وفي العلم الحضوريّ انكشاف الشّيء موجود ودركه مفقود فكنه المعلوم يصير منكشفا لا يكون مدركا.
(لا يخفى) أنّه إذا ثبت العلم الحضوريّ بالنّسبة إلى ذات الواجب جلّ سلطانه كما مرّ لزم أن يكون كنه الذّات منكشفا وتكون الذّات معلومة كما هي وهذا خلاف ما تقرّر عند العلماء وأقول: إنّ هذا العلم الحضوريّ الذي تعلّق بذات الواجب تعالى من قبيل الرّؤية الّتي يثبتونها بالنّسبة إليه تعالى وهناك