بسم الله الرّحمن الرّحيم قال الله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) بلى يا ربّ قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكور لا عينا ولا أثرا ولا شهودا ولا وجودا ثمّ يصير بعد ذلك إن شئت حيّا بحياتك وباقيا ببقائك ومتخلّقا بأخلاقك بل صار باقيا بك بفضلك في عين الفناء وفانيا فيك في عين البقاء لتلازم بينهما وحصول كمال كلّ واحد منهم بوجود الآخر مثله مثل إنسان القي في معدن ملح حتّى صار شيئا فشيئا منصبغا بأحكام الملح إلى أن صار كلّه ملحا ما بقي منه عين ولا أثر فلا جرم أبيح قتله وقطعه وحلّ أكله وبيعه وشراؤه فلو بقي منه عين أو أثر لما جاز ذلك ولنعم ما قيل في الشّعر الفارسيّ. (شعر)
سكى كاندر نمك زاد افتد وكم كردد اندر وى ... من اين درياى پرشور از نمك كمتر نميدانم
(فإن قلت) : إنّك قد كتبت في المكاتيب والرّسائل أنّ زوال العين والاثر إنّما يكون شهوديّا لا وجوديّا لاستلزامه الالحاد والزّندقة ورفعه الاثنينيّة الثابتة بين العبوديّة والرّبوبيّة فما معنى زوال العين والاثر في الوجود أيضا هنا (قلت) انصباغ الشّيء بالشّيء بحيث يصير أحدهما منخلعا عن أحكامه ومنصبغا بأحكام الآخر لا يوجب رفع الاثنينيّة عنهما حتّى يكون الحادا وزندقة فإنّ الإنسان الملقى في معدن الملح ما اتّخذ مع الملح وما زالت الاثنينيّة بل حصل له من جوار الملح وسلطانه فناء عن نفسه وعن صفاته وبقاء بالملح وأحكامه مع بقاء الاثنينيّة. غاية ما في الباب أنّ هذه الاثنينيّة شبيهة باثنينيّة الظّلّ مع الاصل لا استقلال لها في ذلك الاثنينيّة الزّائلة نوع استقلال في نظر العوامّ فالاثنينيّة باقية بعد فلا الحاد ولا زندقة وامّا منعي في الكتب والرّسائل عن الزّوال الوجوديّ فمحمول على قصور فهم العوامّ فإنّهم يفهمون منه رفع الاثنينيّة ويقعون في الالحاد والزّندقة تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا. بقي أنّ الشّبح الذى يقع من ذلك الإنسان بعد صيرورته ملحا حكميّا هو في الحقيقة صورة الملح الذى انصبغ ذلك الإنسان بصبغه لا صورة الإنسان إلّا أنّه قيس ذلك الملح الحكميّ بمقياس شبح ذلك الإنسان وصوّر بصورته لا أنّه بقي شبح الإنسان فبقي أثره (تنبيه) ذلك الشّبح في الملح الذى قيس بمقياس صورة الإنسان ممكن بل واقع وأمّا ما نحن بصدده فليس كذلك فلله المثل الاعلى فهو سبحانه لا يتّحد مع شيء ولا يتّحد معه شيء ولا يتّصل بالاشياء ولا ينفصل عنها والاشياء أيضا غير متّصلة به سبحانه ولا منفصلة عنه تعالى سبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا في اسمائه بحدوث الاكوان فهو سبحانه الآن كما كان على صرافة التّنزيه والتّقديس فهو تعالى قريب من العالم ومع العالم بالقرب والمعيّة المجهولة كيفيّتهما لا كقرب الجسم مع الجسم ولا كقرب الجسم مع العرض (وبالجملة) انّ صفات الإمكان وسمات الحدوث كلّها مسلوبة عن جناب قدسه. عروج الأولياء لا يزيد في قربه سبحانه للعبد ووصول الاصفياء
(1) الآية: 1 من سورة الإنسان.