فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 1087

بالبدن نوع من موانع تلك المعيّة والإتّصال. وأمّا بعد الإنفصال من هذا المقرّ الهيولانىّ والمفارقة عن الهيكل الظّلمانيّ فقرب في قرب واتّصال في اتّصال، الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب بيان لهذا المعنى، وفي قوله تعالى مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لَآتٍ (1) تسلية للمشتاقين ورمز من ذلك البيان، ولكن أحوال العاجزين الّذين أخّرتهم العلائق والعوائق بلا دولة الحضور عند أكابر الدّين خراب وأبتر، والإستفاضة من روحانيّات الأكابر قدّس الله أسرارهم مشروطة بشرائط لا مجال لكلّ شخص في إيفائها، ولكنّ الحمد لله سبحانه ذي الإنعام والمنّة على أن جعل مربّي هؤلاء الفقراء العاجزين ومعينهم وقت ظهور هذه الحادثة الهائلة والواقعة الموحشة المفزعة من أهل بيت النّبوّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة، فصار سببا لإنتظام هذه السّلسلة العليّة، وواسطة لجمعيّة النّسبة النّقشبنديّة، ولا غرو في ذلك فإنّ هذه النّسبة العليّة لمّا كانت في هذه الدّيار غريبة جدّا وكان أهلها في هذه المملكة قد جاوزوا في القلّة حدّا كنسبة أهل البيت بين سائر النّسب، ناسب أن يكون مربّيها وحاميها من أهل البيت وكان تقويتها منهم أولى وأحرى؛ لئلّا يلزم تكميل تلك الدّولة العظمى بالغير، فكما أنّ شكر هذه النّعمة القصوى لازم للفقراء، كذلك شكر هذه الدّولة الأسمى (2) لازم لذمّتهم. وكما أنّه يحتاج إلى الجمعيّة الباطنيّة كذلك يحتاج إلى الجمعيّة الظّاهريّة بل هذا الإحتياج مقدّم على ذلك الإحتياج. وأحوج الخلائق هو الإنسان وشدّة احتياجه إنّما هي بواسطة جامعيّته فإنّه يلزمه وحده ما يلزم الكلّ وله تعلّق بكلّ ما يحتاج إليه فتعلّقاته أكثر من تعلّقات الكلّ، وكلّ تعلّق مستلزم للإعراض عن جناب قدسه تعالى، فكان الإنسان أشدّ الخلائق وأكثرهم حرمانا من هذه الحيثيّة، (شعر) :

ومرتبة الإنسان في آخر الورى ... لذلك عن عزّ الحضور تأخّرا

فإن لم يعد من بعده واغترابه ... فلا شيء محروم كإنس من الورى

والحال أنّ سبب أفضليّته من جميع الخلائق كان أيضا من جهة جامعيّته؛ ولهذا كان مرآته أتمّ فكلّما يظهر في مرايا جميع الخلائق فهو لائح في مرآة واحدة منه، فكان أفضل الخلائق من هذه الجهة هو الإنسان، وشرّ جميع الموجودات من تلك الجهة هو الإنسان إذ منهم محمّد عليه الصّلاة والسّلام ومنهم أبو جهل اللعين. ولا شكّ أنّكم كفيل بجمعيّة هؤلأء الفقراء في الظّاهر بتوفيق الله عزّ وجلّ، وبحكم: الولد سرّ أبيه. الرّجاء تامّ بحصول الجمعيّة الباطنيّة أيضا بسببكم. ولمّا ورد مكتوبكم الشّريف في شهر رمضان المبارك خطر في الخاطر الفاتر أن أكتب نبذة من فضائل هذا الشّهر العظيم القدر. ينبغي أن يعلم أنّ شهر رمضان شهر عظيم. وكلّ عبادة نافلة من الصّلاة والذّكر والصّدقة وأمثالها في هذا الشّهر تساوي أداء فريضة فيما سواه، ومن أدّى فريضة فيه كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، ومن فطّر فيه

(1) الآية: 5 من سورة العنكبوت.

(2) يعني يلزمهم أيضا أن يشكروا على من قام بتربيتهم وتقوية نسبتهم لموجب قضية شكر النعم واجب وهو المكتوب إليه السيد فريد البخارى منه عفى عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت