والعقول والنّفوس والبسائط والمركّبات كلّها موجودة بإيجاد الله تعالى ومخرجة من العدم إلى الوجود والقدم الذّاتيّ والقدم الزّمانيّ كلاهما ثابتان لجناب قدسه تعالى فقط والحدوث الذّاتيّ والزّمانيّ كائن لغيره تعالى كما أنّه خلق الارض في يومين أخرج السّموات والكواكب بعد خلق الارض من العدم إلى الوجود في يومين قوله تعالى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ (1) وقوله تعالى فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ (2) مصداق هذا الكلام. سفيه بل منكر لنصّ القرآن من يتفوّه بقدم بعض ما سواه كالافلاك وما فيها وبسائط العناصر والعقول والنّفوس وقد انعقد إجماع الملّيين إلى حدوث ما سواه تعالى وحكموا بوجوده بعد العدم السّابق بالاتّفاق كما صرّح به الإمام حجّة الإسلام الغزاليّ في رسالته"المنقذ عن الضّلال"وكفّر جماعة قالوا بقدم بعض أجزاء العالم فالحكم بقدم شيء من الممكنات خروج عن الملّة ودخول في الفلسفة وكما أنّ العدم السّابق كائن لما سواه تعالى العدم اللّاحق أيضا لاحق به فتنتثر الكواكب وتنشقّ السّموات وتندكّ الارض والجبال وتلحق بالعدم كما نطق به نصّ القرآن وانعقد عليه إجماع جميع الفرق الإسلاميّة قال الله تعالى في كلامه المجيد فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وحُمِلَتِ الْأَرْضُ والْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ واِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (3) وقال إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ * وإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (4) وقال إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ وإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ (5) وقال إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ (6) وقال كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (7) ووردت في القرآن أمثال ذلك آيات كثيرة والجاهل ينكر فناء هؤلاء بجهله ويردّ النّصوص القرآنيّة مفتتنا بالمموّهات الفلسفيّة وبالجملة: انّ إثبات العدم اللّاحق في الممكنات كاثبات العدم السّابق فيها من ضروريّات الدين والإيمان به لازم وما قال بعض العلماء من أنّ سبعة أشياء لا يتطرّق عليها الفناء بل تكون باقية وهي العرش والكرسيّ واللّوح والقلم والجنّة والنّار والرّوح لا بمعنى أنّ هذه الاشياء لا تقبل الفناء وليست فيها قابليّة الزّوال حاشا من ذلك وكلّا بل بمعنى أنّ القادر المختار جلّ شأنه يفني بعد الوجود من يشاء ويبقي من يشاء لحكم ومصالح يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ولاح من هذا البيان أنّ العالم بجميع أجزائه مستند إلى الواجب تعالى ومحتاج إليه سبحانه في الوجود والبقاء فإنّ البقاء عبارة عن استمرار الوجود في زمان ثان وثالث إلى ما شاء الله تعالى
(1) الآية: 9 من سورة فصلت.
(2) الآية: 12 من سورة فصلت.
(3) الآيات: (13 - 16) من سورة الحاقة.
(4) الآية: (1 - 3) من سورة التكوير.
(5) الآية: (1 - 2) من سورة الانفطار.
6)- الآية: 1 من سورة الانشقاق.
(7) الآية: 88 من سورة القصص.