يشرّف البعض بنفس التّجلّي مع ظهور أشعّة التّجلّي ولا يوصّل به إلى تلك الدولة القصوى بواسطة عروض بعض العوارض كما يدرك الإسفار ولا يدرك الطّلوع بعروض علّة سماويّة أو أرضيّة وأيضا لا حاجة في شهود الإسفار إلى كمال قوّة الباصرة وشهود الشّمس هو الذى يستدعي كمال قوّة الباصرة وحدّة النّظر ا لا ترى أنّ الخفّاش قادر على إدراك الاسفار وعاجز عن إبصار الشّمس في النّهار وإبصار الشّمس يستدعي أن يحصل له بصر آخر وربّما يكون في السّالك استعداد اشعّة التجلّى ولا يكون فيه استعداد نفس التّجلّى والخفّاش فيه استعداد مشاهدة أشعّة تجلّي الشّمس وليس فيه استعداد نفس تجلّي الشّمس ها أنا أقول كلاما عاليا لعلّه يكون نافعا وبعد انصرام تجلّي الصّفات وبعد حصول فناء الصّفات والذّات يستقبل العارف تجلّ كانّه دهليز تجلّي الذّات وكانّه برزخ بين تجلّي الصّفات وتجلّي الذّات والذي يترقّى من هذا التّجلّي له نصيب من تجلّي الذّات بقدر استعداده وهذا التّجلّي البرزخيّ بزعم هذا الفقير أصل لذاك التّجلّي الذّاتيّ الذى قال الشّيخ ابن العربيّ قدّس سرّه في حقّه هذه العبارة والتّجلّي من الذّات لا يكون إلّا بصورة المتجلّى له فالمتجلّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحقّ وما رأى الحقّ ولا يمكن أن يراه وقال لهذا التّجلّي منتهى التّجلّيات ولم يقل بمقام فوقه وقال وما بعد هذا التّجلّي إلّا العدم المحض فلا تطمع ولا تتعب في تحصيل العروج والتّرقّي فوقه فلا مقام اعلى من هذه الدرجة في التّجلّي الذّاتيّ والعجب أنّ الوصول إلى المطلوب الحقيقيّ فيما وراء هذا التّجلّي والشّيخ يخوّف ويحذّر عنه بقوله تعالى"ويحذّركم الله نفسه"ويهدّد فلو لم نطمع نحن المهجورون المتحيّرون فيه ولم نتعب لحصوله ماذا كنّا فعلناه غير التّسلّي من الجوهر النّفيس بقطعات الخزف. غاية ما في الباب أنّ النّصيب من كلّ مرتبة مناسب لتلك المرتبة فالنّصيب الميسّر من اللّاكيفيّ يكون لا كيفيّا لا سبيل للكيف إلى اللّاكيفيّ فالمعرفة الّتي تتعلّق بتلك المرتبة ليست كمعرفة تتعلّق بالكيفيّ فإنّه لا مجال لهذه المعرفة هناك العلم في ذات الله سبحانه جهل أي ليس علما من جنس العلم المتعلّق بعلم الممكن فإنّه من مقولة الكيف ولا كيف ثمّة والمنع من التّفكّر في ذات الله سبحانه إنّما هو بواسطة أنّه تعالى وراء التّفكّر والتّخيّل ووجد أنّه تعالى إنّما يمكن به سبحانه لا بالفكر والخيال رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) وكان ينبغي للشّيخ قدّس سرّه أن يقول وما بعد هذا التّجلّي إلّا الوجود الصّرف والنّور المحض وإنّما قال وما بعد هذا التّجلّي الّا العدم باعتبار أنّ العالم ظلّ الصّفات والتّفوّق والتّرقّي من الصّفات اجتهاد وسعي في إعدام نفسه وليس كذلك فإنّ العارف إذا لم يترقّ من الصّفة الّتي هي أصله ولم يتفوّق الشّئون والاعتبارات الذّاتيّة ماذا يكون فعله ولاىّ شيء يكون مجيئه والفناء والبقاء اللّذان تيسّرا له في كلّ مرتبة جرّاه للتّجاوز إلى ما فوق أصله فتجاوز ببقاء الاصل عن الاصل ووصل إلى أصل الاصل. (شعر)
يحرق بالنّار من يمسّ بها ... ومن هو النّار كيف يحترق
(1) الآية: 10 من سورة الكهف.