نوري يمكن أن نقول: إنّ هذه المرتبة هي الحقيقة المحمّديّة والتّعيّن الاوّل لا تلك الحقيقة والتّعيّن الاوّل المتعارفان بل لو كان ذلك التّعيّن ظلّا من ظلال ذلك التّعيّن فهو أيضا مغتنم كما أنّ المراد من هذا العقل ليس هو ذاك العقل الذى قال الفلاسفة: إنّه الصّادر الاوّل من الواجب تعالى بطريق الإيجاب وجعلوه مصدرا لصدور الكثرة (ينبغي) أن يعلم أنّ كلّ موطن فيه تعيّن فيه رائحة من الإمكان ومعه شوب من العدم الذى صار باعثا على تعيّن الوجود وتميّزه وبضدّها تتبيّن الاشياء وصفات الواجب جلّ شأنه هي الّتي عرض لها التّعيّن والتّميّز فهي مع وجود قدمها ليست بواجبة لذواتها بل واجبة لذات الواجب تعالى وحاصل ذلك وجوب بالغير الذى هو من أقسام الممكن وإن كان التّحاشي لازما من إطلاق لفظ الإمكان في الصّفات القديمة لكونه موهما للحدوث والمناسب هناك إطلاق الوجوب لمجيئها من ذات الواجب تعالى ولكن للإمكان فيها مجال في الحقيقة لعدم وجوبها لذواتها بل لغيرها وإن لم يقولوا بالغيريّة وأرادوا بالغير الغير المصطلح ولكنّ الاثنينيّة مقتضية للغيريّة الاثنان متغايران قضيّة مقرّرة من قضايا أرباب العقول (والعجب) أنّ الشّيخ محيي الدين بن العربيّ قال للاثنين من التّعيّنات تعيّنا وجوبيّا وللثّلاثة إمكانيّة وفي الحقيقة في كلّ التّعيّنات سمة الظّلّيّة ورائحة الإمكان وإن كان بين ممكن وممكن فرق كثير وكان أحدهما قديما والآخر حادثا ولكنّ الكلّ غير خارج من دائرة الإمكان وفي الكلّ رائحة من العدم (وإيّاك) وتخيّل المرتبة الثانية الّتي هي النّور الصّرف والمتعيّن باللّاتعيّن ذاتا بحتا واحديّة مجرّدة مثل الآخرين فإنّه أيضا حجاب من الحجب النّورانيّة إنّ لله سبعين الف حجاب من نور وظلمة وإن لم يكن تعيّنا ولكنّه حجاب المطلوب الحقيقيّ وإن كان آخر الحجب وهو تعالى وراء الوراء وهذا النّور الصّرف لمّا لم يكن داخلا في دائرة التّعيّن كان منزّها ومبرّأ من ظلمة العدم ولله المثل الاعلى ومثل ذلك النّور كمثل تشعشع نور الشّمس الذى هو حاجب لقرصها انتشر من عين القرص وصار حجابا لها وفي الحديث «حجابه النّور"وهذه المرتبة العليا فوق التّجلّيات الذّاتيّة فضلا عن تجلّيات الافعال والصّفات فإنّ التّجلّي بلا شوب التّعيّن غير متصوّر وهذا المقام فوق جميع التّجلّيات ولكنّ منشأ التجلّيات الذّاتيّة هو هذا النّور الصّرف والتّجلّي إنّما يتصوّر بواسطته ولولاه لما حصل التّجلّي وحقيقة الكعبة الرّبّانيّة أظنّها حضرة ذلك النّور الذى هو مسجود الجميع وأصل جميع التّعيّنات فإذا كان ملاذ التّجلّيات الذّاتيّة وملجأها ذلك النّور ماذا يزيد في مدحه كونه مسجودا لآخرين فإذا شرّف الله سبحانه بكمال فضله وعنايته عارفا من ألوف بالوصول إلى هذه الدولة وخصّه بالفناء والبقاء في هذا الموطن يمكن أن ينال بقاء بهذا النّور وحظّا وافرا من الفوق وفوق الفوق وأن يتجاوز من النّور بالنّور فيصل إلى أصل النّور ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وهذه المعارف كما أنّها وراء طور النّظر والفكر وراء طور الكشف والشّهود أيضا وأرباب الكشف والشّهود في فهم هذه العلوم كأرباب العلم والعقل لا بدّ في الاهتداء إلى درك هذه الحقائق بمتابعة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام من نور فراسة النّبوّة (ينبغي) أن يعلم أنّ هذا النّور حاشاه"