الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ (1) عليهم الصّلوات والتّسليمات (اعلم) أنّ للظّلّ إلى أصله طريقا سلطانيّا لا حائل بينهما مقدار تبنة أصلا فإن كان بينهما حيلولة فإنّما هي إقباله على نفسه وإعراضه من الاصل والظّلّ ليس إلّا حامل أمانات الاصل فإنّ كلّ ما فيه من حسن الوجود وكماله وتوابعه مستفاد من الاصل ونصيبه من غير توسّط الاصل لعلّه العدم وهو لا شيء محض ومجرّد اعتبار هذا الظّلّ نسي أصله من كمال جهالته وزعم أماناته من قبل نفسه فخان في الامانة وظنّ نفسه مع وجود قبحه الذّاتيّ حسنا وكاملا ولكنّ مع وجود إقباله على نفسه وإعراضه عن أصله له محبّة وميل طبيعيّ إلى أصله عرف أو لم يعرف بل محبّته لنفسه متعلّقة في الحقيقة بأصله فإنّ الحسن والكمال الذين هما متعلّقا المحبّة من الاصل لا منه فإنّه ليس له شيء غير العدم والقبح حتّى تتعلّق به المحبّة كما حقّق غير مرّة فإذا زال عنه بكرم الله سبحانه مرض الانانيّة والعجب وتخلّص من الجهل المركّب الذى فيه واعترف بكون الامانة من أهل الامانة وحصل له الإعراض عن نفسه بدل الإقبال على نفسه وتبدّل إعراضه عن الاصل بالإقبال عليه فحينئذ يستمسك بحبل السّعادة بيده ويحصل له رجاء الوصول إلى الاصل غاية ما في الباب أنّ العالم لمّا كان ظلال الاسماء والصّفات الواجبيّة كان أصولها هي الاسماء والصّفات وهذه الظّلال أعراض قائمة بأصولها الّتي هي الاسماء والصّفات ليس بينها جوهر حتّى تكون قائمة به وقال النّظام من المعتزلة: بحكم"الكذوب قد يصدق"مطّلعا على هذا السّرّ"العالم بتمامه أعراض لا جوهر حتّى يقوم به"ولكنّه أخطأ في قوله بقيام هذه الاعراض بأنفسها غافلا عن أصولها الّتي تقوم بها وقال الشّيخ محي الدين بن العربيّ قدّس سرّه من الصّوفيّة إنّ العالم أعراض مجتمعة وجعل قيامها بذات الله جلّ وعلا لا بالاسماء والصّفات الّتي هي أصولها فيا ليت شعري ما معنى القيام بالذّات المجرّدة عن الوجوه والاعتبارات ولا معنى للقيام ثمّة إلّا اختصاص النّاعت بالمنعوت ولا نعت ثمّة فلا قيام وأيضا إنّ القيام من جملة الوجوه والاعتبارات المتعيّنة فلا معنى لإثباته في تلك المرتبة المقدّسة فإذا كان أفراد العالم ظلال الاسماء والصّفات فلا جرم يكون وصولها إلى أصولها الّتي هي الاسماء والصّفات فلو وصل إلى أصول الاصول أيضا لا يكون منتهيا إلى الذّات المجرّدة المقدّسة ولا يقدر أن يتجاوزها ولا مجال هناك للأصالة أيضا فإنّ ثمّة غنا ذاتيّا عن الكلّ لا رسم فيه ولا صفة ولا شأن ولا اعتبار فلا يكون للعالم من مرتبة الذّات المقدّسة نصيب غير الحرمان ولا يكون للوصول والاتّصال فيه مجال ولكن قد جرت عادة الله سبحانه بأن يعطي بعد قرون متطاولة وأزمنة متباعدة من كمال رحمته ورأفته لصاحب دولة بعد الفناء الاتمّ بقاء أكمل وأنموذجا من الذّات الاقدس فكما أنّ قيامه كان أوّلا بأصله الذى هو الاسماء والصّفات يكون الآن قائما بذلك الانموذج ومجموع تلك الاعراض السّابقة الّتي كانت تكون تلك الذّات الموهوبة حقيقتها وينتهي كماله الإنسان إلى نهايته وتتمّ النّعمة في حقّه ها أنا
(1) الآية 43: من سورة الأعراف.