على الذّات تعالى وفيه غاية الدقّة وكمال اللّطافة بحيث لا يكاد بصر كلّ شخص يدركه ولا يقدر تمييزه من الاصل ولهذا بقي تعيّنه مختفيا إلى هذه المدّة ولم يتميّز من المتعيّن وعبده جمّ غفير بزعم أنّه هو الله ولم يطلبوا معبودا ومطلوبا ما وراءه واعتقدوا أنّه هو المبدأ للآثار الخارجيّة وظنّوا أنّه المكوّن للحوادث اليوميّة وهذا التّمييز أعني تمييز الحقّ عمّا دون الحقّ كان دولة مدّخرة لهذا المسكين العاجز المتأخّر ونفي مشاركة غير المعبود مع المعبود سبحانه وتعالى كان حصّة باقية من الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام مختبية لملتقط ما سقط من موائدهم هذا الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ (1) وقد صار مكشوفا أنّ هذا التّعيّن الاوّل الوجوديّ هو ربّ خليل الرّحمن على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ومبدأ تعيّنه وتعيّن خلّته وصار مكشوفا أيضا أنّ مركز هذا التّعيّن الذى هو جزؤه الاشرف وفيه نسبة الاقربيّة بالاصل من بين الاجزاء الاخر هو ربّ حبيب الله ومبدأ تعيّنه وتعيّن محبّته عليه وعلى جميع الانبياء الصّلوات والتّسليمات (فإن قيل) إذا كان التّعيّن الاوّل ربّ الخليل فما معنى قول نبيّنا عليهما الصّلاة والسّلام: «أوّل ما خلق الله نوري» (قلت) إن مركز الدائرة أسبق أجزاء الدائرة وأيضا إنّ للجزء تقدّما على الكلّ فيكون مبدأ تعيّنه صلّى الله عليه وسلّم الذى عبّر عنه بنوري أسبق من الكلّ بالضّرورة ومركز الدائرة وإن كان جزءا من الدائرة والدائرة كلّا له ولكنّه جزء نشأ منه سائر أجزاء الكلّ فإنّ جميع أجزاء محيط الدائرة ظلال ذلك الجزء الذى هو مركز تلك الدائرة فلو لم يكن ذلك الجزء لما كان من الدائرة اسم ولا رسم (فاتّضح) أنّ ربّ حضرة الخليل ومبدأ تعيّنه هو التّعيّن الاوّل ومنشأ التّعيّن الاوّل الذى هو الجزء والمركز وأشرف أجزاء تلك الدائرة ربّ حضرة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ومبدأ تعيّنه فيكون أسبق الكلّ هو حقيقة خاتم النّبوّة ويكون منشأ ظهور الآخرين أيضا هي ومن ههنا ورد في الحديث القدسيّ في شأن حبيب الله"لولاك لما خلقت الافلاك ولما أظهرت الرّبوبيّة"فإذا كان مبدأ تعيّن خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام مركز دائرة التّعيّن الاوّل الذى هو مبدأ تعيّن الخليل عليه السّلام فلا جرم تكون الولاية المحمّديّة الّتي منشؤها المحبّيّة مركز الولاية الخليليّة الّتي منشؤها الخلّة والولاية الخليليّة مع وجود أوّليّتها لا تكون حائلة وحاجزة بين الولاية المحمّديّة وبين حضرة الذّات - تعالت وتقدّست - فإنّ لمركز الدائرة سبقة ذاتيّة على الدائرة فلا يكون الخلف حائلا للسّلف بل الامر بالعكس (ووجه) آخر لسبق هذا المركز وقربه (اسمع) انّه كلّما يتعمّق في السّير في هذه النّقطة الّتي هي المركز يتميّز المحبّ من المحبوب من تلك النّقطة الّتي حاصلها المحبّة وتظهر صورة دائرة مركزها المحبوبيّة ومحيطها المحبّة وتلك المحبّيّة هي مبدأ الولاية الموسويّة والمحبوبيّة هي مبدأ الولاية المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام فهذا المركز الذى هو المحبوبيّة أسبق من ذاك المركز الذى هو المحبّيّة، وصار دائرة وأقرب إلى حضرة الذّات فإنّ للمركز سبقة وقربا ليسا للدّائرة فكانت
(1) الآية: 43 من سورة الأعراف.