العدوّ لا جرم يستحقّ اللّعن والطّرد. وإنّما صار الفقر فخرا محمّديّا (1) عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ في الفقر عدم حصول مراد النّفس وحصول عجزها. والمقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والحكمة في التّكليفات الشّرعيّة هو تعجيز هذه النّفس الأمّارة وتخريبها، وقد وردت الشّرائع لرفع الهوى النّفسانيّ،
وكلّما يعمل شيء بمقتضى الشّريعة يزول من الهوى النّفسانيّ بقدره ولهذا كان فعل شيء من الأحكام الشّرعيّة أفضل في إزالة الهوى النّفسانيّ من رياضات ألف سنة ومجاهداتها الّتي كانت من قبل النّفس، بل هذه الرّياضات والمجاهدات الّتي لم تقع على مقتضى الشّريعة الغرّاء مؤيّدة ومقوّية للهوى النّفسانيّ. ولم تقصر البراهمة والجوكيّة في الرّياضات والمجاهدات شيئا، ولكنّها لمّا لم تكن على وفق الشّريعة لم ينتفعوا بها أصلا ولم يحصل لهم غير تقوية النّفس وتربيتها. فمن صرف مثلا دانقا بنيّة أداء الزّكاة الّتي أمر بها الشّرع فهو أنفع في تخريب النّفس من صرف ألف دينار من قبل نفسه، وكذلك أكل الطّعام يوم عيد الفطر بحكم الشّريعة أنفع في دفع الهوى من صيام سنين من قبل نفسه، وأداء ركعتي الفجر مع الجماعة الّتي هي سنّة من السّنن أفضل من قيام تمام اللّيلة بالنّافلة مع ترك الجماعة في الفجر.
وبالجملة: انّ النّفس ما لم تتزكّ من خبث ماليخوليا دعوى السّيادة والرّفعة فالنّجاة محال، ففكر إزالة هذا المرض ضروريّ كيلا يفضي إلى الموت الأبديّ، وكلمة لا إله إلّا الله الّتي وضعت لنفي الآلهة الآفاقيّة والأنفسيّة أنفع في تزكية النّفس وأنسب لتطهيرها، واختار أكابر الطّريقة قدّس الله أسرارهم لتزكية النّفس هذه الكلمة الطّيّبة،
(شعر) : ما دمت لم تضرب بلا عنق السّوى ... في قصر إلّا الله لست بواصل
وما دامت النّفس في مقام البغي والعناد ونقض العهد والفساد ينبغي أنّ يجدّد الإيمان بتكرار هذه الكلمة قال عليه الصّلاة والسّلام «جدّدوا إيمانكم بقول لا إله إلّا الله"بل لا بدّ من تكرار هذه الكلمة في جميع الأوقات، فإنّ النّفس الأمّارة في مقام الخبث دائما. وقد ورد عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في فضائل هذه الكلمة حديث «لو وضعت السّموات والأرض في كفّة الميزان وهذه الكلمة في كفّة"
(1) (قوله وإنما صار الفقر الخ) إشارة لما هو دائر بين الناس من قوله صلى الله عليه وسلم (الفقر فخرى) قال ابن حجر وابن تيمية أنه باطل لا أصل له وقد ذكره في الشفاء عن على كرم الله وجهه في حديث طويل بهذا اللفظ على ما في بعض نسخه وبلفظ والعجز فخرى في بعض آخر. قال القارى في شرحه بعد الكلام فيه الحكم بوضعه وبطلانه باعتبار السنة لا باعتبار مبناه المطابق معناه للكتاب يعني قوله تعالى (والله الغني وأنتم الفقراء) انتهى ملخصا سند عفى عنه.