الحياة والعلم والقدرة وغيرها أيضا ظلال صفات الواجب جلّ سلطانه بل نفس الامر الذي يثبت في إثبات العالم أيضا ظلّ نفس الامر الكائن في مرتبة الخارج. (شعر)
ما جئت من بيتى بشيء أوّلا ... ومنحتني ما بي وإنّي بعض ذا
قال الله تعالى وتقدّس أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ (1)
(فإن قيل) إنّك كتبت في رسائلك أنّ ما في الظّلّ كلّه من الاصل وليس في يد الظّلّ شيء غير حمل أمانات الاصل فإذا ردّ السّالك المستعدّ جميع ما في يده من الخير والكمال والوجود وتوابع الوجود بحكم الظّلّيّة إلى أصله ووجد نفسه خاليا من جميع الكمالات يصير متحقّقا بالفناء والاضمحلال بالضّرورة ولا يبقى منه اسم ولا رسم فما حاصل هذا الكلام؟ وما معنى ردّ الكمالات إلى الاصل؟ وبأيّ اعتبار يكون فناء السّالك واضمحلاله مع وجود ثباته واستقراره؟ (قلت) إنّ هذا الفناء يشبه حال شخص لبس أثواب العارية ويعلم أنّها ليس له بل لغيره وإنّما لبسها بطريق العارية فإذا غلبت هذه الرّؤية واستولت استيلاء تامّا يمكن أن يعطى تلك الاثواب مع وجود التّلبّس بها لصاحبها ويجد نفسه عريانا حتّى ينفعل ويستحي من جلسائه بسبب عريه من الثياب ويجرّ نفسه إلى زاوية وحيث انّ السّالك صار مخلوقا في مرتبة التّوهّم والتّخيّل يكفيه الفناء التّخيّليّ أيضا فإنّ استيلاء هذا التّخيّل يوصله إلى اليقين القلبيّ ويجعله ذوقيّا وجدانيّا فيوجد ما هو المقصود من الفناء والاضمحلال لانّ المقصود من الفناء زوال التّعلّق بالظّلّ وحصول التّعلّق بالاصل ولمّا صار رجوع الظّلّ إلى الاصل يقينا وذوقيّا ووجدانيّا زال التّعلّق بالظّلّ بالضّرورة وجاء مكانه التّعلّق بالاصل فلو لم يحصل هذا التّخيّل لما تيسّرت دولة زوال التّعلّق بالظّلّ بل مدار سلوك هذا الطّريق على التّوهّم والتّخيّل والأحوال والمواجيد الّتي هي المعاني الجزئيّة في هذا الطّريق إنّما تدرك بالوهم والتّجلّيات والتّلوينات إنّما تشاهد للسّالكين في مرآة الخيال فلو لا الوهم لقصر الفهم ولو لا الخيال لاستتر الحال لم يوجد في هذا الطّريق شيء أنفع من الوهم والخيال وجاء أكثر إدراكهما وانكشافهما مطابقا للواقع والذي يقطع مسافة خمسين الف سنة كائنة بين العبد والرّبّ في مدّة قليلة بكرم الله تعالى ويوصل العبد إلى درجات عالية هو الوهم والذى يجعل دقائق غيب الغيب وأسراره منكشفة في مرآته ويطلع السّالك المستعدّ عليها هو الخيال ومن شرافة الوهم اختار الحقّ سبحانه خلق العالم في تلك المرتبة وجعلها محلّا لظهور كمالاته ومن جلالة الخيال جعله الله أنموذجا لعالم المثال الذي هو أوسع جميع العوالم حتّى قالوا بوجود صورة فيه لمرتبة الوجوب أيضا وحكموا بأنّ الله سبحانه ليس له مثل ولكن له مثال ولله المثل الاعلى والذى يحسّه العارف في مرآة خياله ويترقّى بذوق وجدانه هو صور الاحكام الوجوبيّة (فإن قيل) قد اتّضح من التّحقيق السّابق أنّ الفناء باعتبار التّخيّل وإن كان موصّلا إلى
(1) الآية: 45 من سورة الفرقان.