ولا يمكن تعريف الوحدة بحسب الحقيقة؛ لأنها بديهية التصور؛ إذ كل أحد يعرف أن شيئا واحدا إنسان أو فرس أو غير ذلك، من غير افتقار إلى اكتساب.
والتعريف الذي ذكروه لها بحسب اللفظ لا بحسب الحقيقة، وإلا يدور؛ وذلك لأنا إذا قلنا: إن الواحد لا ينقسم، فقد قلنا: إن الواحد هو الذي لا يتكثر ضرورة، فأخذنا الكثرة في تعريف الوحدة. والكثرة لا يمكن تعريفها إلا بالوحدة (41/ه) ؛ لأن الوحدة مبدأ الكثرة، ومنها وجودها وماهيتها.
ولهذا أي تعريف تعرف الكثرة به تستعمل فيه الوحدة، مثل: (( الكثرة: هو المجتمع من الوحدات ) )و (( الكثر: ما يعد بالواحد ) )وغير ذلك.
والوحدة والكثرة تستويان - عند العقل والخيال - في أن كلا منهما أعرف عند أحدهما دون الآخر، وهو المراد من قوله: (( بالاقتسام ) )، وذلك لأن الوحدة أعرف عند العقل من الكثرة؛ لأنها مبدأ الكثرة، والعقل يدرك المبدأ أولا، والكثرة أعرف عند الخيال؛ لأن الخيال يدرك الكثرة أولا، ثم ينزع العقل منها أمرا واحدا.