في المشهور احتياطا ظنا من قائله إن ذلك الفعل إن كان حراما كان في ارتكابه ضرر وإن كان غير حرام لا ضرر في تركه ومعلوم أن هذا بعد أن يكون المراد بالكراهة الكراهة التنزيهية لا يتم في الواجب فإن في تركه ضررا كما سنذكر وقد يقال إن التحريم لدفع مفسدة والندب والوجوب والإباحة لتحصيل مصلحة واعتناء الشرع بدفع المفاسد آكد من اعتنائه بجلب المصالح بدليل أنه يجب دفع كل مفسدة ولا يجب جلب كل مصلحة والكراهة وإن كانت لدفع مفسدة إلا أن في العمل بها تجويزا للفعل وفيه إبطال المحرم بخلاف العكس فكان التحريم أولى هذا والذي عليه الإمام وأتباعه كالبيضاوي تساوي المحرم والموجب فيلزم تقديم الموجب حيث كان المحرم مقدما على المبيح لأن المساوي للمقدم على شيء مقدم على ذلك الشيء
ثم في شرح الإسنوي والمراد بالإباحة هنا جواز الفعل والترك ليدخل فيه المكروه والمندوب والمباح المصطلح عليه وعلل البيضاوي وغيره تقديم المحرم على المبيح بالاحتياط فإنه يقتضي الأخذ بالتحريم لأن ذلك الفعل إن كان حراما كان ارتكابه ضررا وإن كان مباحا فلا ضرر في تركه ولا بأس بهذا وبقوله صلى الله عليه وسلم
ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال
لكن هذا متعقب بأنه لا يعرف مرفوعا كما قال الزركشي بل قال الحافظ العراقي ولم أجد له أصلا انتهى
نعم رواه عبد الرزاق والبيهقي في سننه عن جابر الجعفي وهو ضعيف عن الشعبي عن ابن مسعود موقوفا والشعبي عن ابن مسعود منقطع ثم له معارض ففي سنن ابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر رفعه لا يحرم الحرام الحلال وفي سنده إسحق الفروي أخرج له البخاري وذكره ابن حبان في الثقات وقال النسائي ليس بثقة ووهاه أبو داود جدا وقال الدارقطني لا يترك وقال أيضا ضعيف
قال شيخنا والمعتمد فيه ما قال أبو حاتم صدوق ولكن ذهب بصره فربما لقن وكتبه صحيحة
ثم على هذا الذي ذكره البيضاوي مشى المصنف كما هو آت على الأثر وقال أيضا
وإذا ثبت
أنه أي النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب ما خفف على أمته وإذا هنا للماضي كما في قوله تعالى { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } لثبوته وعم خفائه على المصنف
ومن ثمة جزم به في آخر مسألة في هذا الكتاب وهو في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها لكن بلفظ عنهم وفي لفظ ما يخفف عنهم وفي الصحيحين عنها ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا واختار أيسرهما ما لم يكن إثما وفي حديث المعراج فيهما أيضا
فمررت بموسى فقال بم أمرت قلت أمرت بخمسين صلاة كل يوم وليلة قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وليلة وإني والله قد جربت الناس وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فرجعت
الحديث وفيهما أيضا عنه صلى الله عليه وسلم إذا أم أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض وذا الحاجة وفيهما أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير وصلى فيها ليالي