فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 728

في الكتاب ولي عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع وعرفت كلام هؤلاء وأقاويلهم، ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة فأقمنا بها إلى طلب الحديث، فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الليالي المقمرة، وقل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب. [1]

وقد ارتحل البخاري لطلب العلم وسماع الحديث إلى كثير من البلدان.

قال رحمه الله: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر، لقيتهم كَرّات، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، وبالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان. [2]

وقال: دخلتُ بلخ، فسألوني أن أُملي عليهم لكل من كتبت عنه حديثًا، فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم. [3]

وقال قبل موته بشهر: كتبت عن ألف وثمانين رجلًا، ليس فيهم إلا صاحب حديثٍ، كانوا يقولون: الإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص. [4]

وكان رحمه الله آية في الذكاء، وجبلًا في الحفظ، قال حاشد بن إسماعيل: كان أبو عبد الله البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب، حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب فما تصنع؟ فقال لنا يومًا بعد ستة عشر يومًا: إنكما قد أكثرتما علي وألححتما فاعرضا علي ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه ثم قال: أترون أني أختلف هدرًا وأضيع أيامي؟ فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد. [5]

وقال البخاري: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح. [6]

وقال: كتبت عن ألف شيخ وأكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلا أذكر إسناده.

قال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل: تحفظ جميع ما أدخلته في المصنف؟ قال: لا يخفى علي جميع ما فيه.

وقال أبو بكر الكلذواني: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل كان يأخذ الكتاب من العلم فيطلع عليه اطلاعة فيحفظ عامة أطراف الحديث من مرة واحدة. [7]

كان رحمه الله مع علمه عابدًا، صوامًا، قوامًا، قارئًا لكتاب الله، وكان كما قال ابن كثير: في غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع، والزهد في الدنيا دار الفناء، والرغبة في الآخرة دار البقاء. [8]

قال رحمه الله: إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا.

وقال: ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة حرام. [9]

وكان يجتمع إليه أصحابه أول ليلة من شهر رمضان فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن فيختم

(1) انظر: طبقات الشافعية الكبرى: 2/ 216، سير أعلام النبلاء: 12/ 393.

(2) سير أعلام النبلاء: 12/ 407.

(3) سير أعلام النبلاء: 12/ 395.

(4) المصدر السابق.

(5) سير أعلام النبلاء: 12/ 408.

(6) طبقات الشافعية الكبرى: 2/ 218، 222.

(7) هدي الساري: 486.

(8) البداية والنهاية: 14/ 532.

(9) هدي الساري: 480.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت