بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَا وَرَبُّكَ الأكْرَمُ» [العلق: 1 - 3] فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرْجُفُ [1] فُؤَادُهُ، [2] فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَقال: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي [3] » . فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» . فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلاّ وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، [4] وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، [5] وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، [6] وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.
فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَل بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِليَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجِيل بِالْعِبْرَانِيَّةِ [7] مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ [8] الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، [9] لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟» . قال: نَعَمْ، لَمْ يَاتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْل مَا جِئْتَ بِهِ إِلاّ عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. [10] ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ [11] وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الْوَحْيُ. [12] [رواه البخاري: 3] .
4 -عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصَارِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ - فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «بَيْنَا [13] أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، فَرُعِبْتُ [14] مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} إِلَى قوله: {وَالرُّجْزَ [15] فَاهْجُرْ} » [المدثر: 1 - 5] فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ. [رواه البخاري: 4] .
5 -عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: فِي قَوْلهِ تعالى: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لسَانَكَ لتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعَالجُ [16] مِنَ التَّنْزِيل شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ [17] - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَرِّكُهُمَا - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لسَانَكَ لتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 16 - 17] قال: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ {فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18] قال: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ ذَلكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا قَرَأَهُ. [رواه البخاري: 5] .
6 -وعنه - رضي الله عنه - قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُل لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، [18] فَلَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَجْوَدُ
(1) أي: يضطرب.
(2) قيل: الفؤاد القلب، وقيل: غير القلب، وقيل: غشاؤه، وجمع الفؤاد أفئدة.
(3) أي: لفوني في ثيابي.
(4) الرحم -بفتح الراء وكسر الحاء- وذوو الرحم هم الأقارب، ويقع علي كل من يجمع بينهما نسب من جهة النساء.
(5) أي: من لا يقدر على العمل والكسب، وقال المصنف [أي البخاري] : الكل العيال، وهو أحد معانيه، ويطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى، وأصله من الكلال وهو الإعياء ثم استعمل في كل أمر ضائع أو أمر مثقل.
(6) أي الشيء الذي لا يوجد تجده أنت لوفور معرفتك، وتكسبه لنفسك، وقيل غير ذلك.
(7) هي لسان بني إسرائيل.
(8) المراد به جبريل، وهو في الأصل صاحب سر الملك.
(9) هو أول الأسنان، والجذع من الحيوان ما لم يئن.
(10) أي: بالغًا قويًا، وقيل: هو من وازرت، صرت وزيرًا.
(11) أي: لم يمكث، وأصل النشوب التعلق، فكأنه قال: لم يتعلق بشيء غير ما ذكر.
(12) أي: سكن وتأخر نزوله.
(13) بينا وبينما هو من البين وهو الوصل، تقول: بينا أنا وبينما أنا أي أنا متصل بفعل، ويطلق على البعد فهو من الأضداد، وأما بينما فهو الأول زيد فيه ما.
(14) أي: فزعت.
(15) قال [أي في الصحيح] : هي الأوثان، وهو تفسير باللازم لأنها تؤدي إلى الرجز وهو العذاب.
(16) أي: يمارس.
(17) أي: كان كثيرًا ما يحرك شفتيه، وقيل: هي من ما، فمن بمعنى رب وما كافة، ومنه قول الشاعر: وإنا لمما نضرب القرن ضربة على وجههً تلقى اللسان من الفم.
(18) أي: يقرأ معه.