بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. [رواه البخاري: 6] .
7 -وعنه - رضي الله عنه: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّامِ، [1] فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَادَّ [2] فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيليَاءَ، [3] فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ [4] فَقال: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُل الَّذِي يَزْعُمُ [5] أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا. فَقال: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قال لتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُل، فَإِنْ كَذَبَنِي [6] فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَاثِرُوا [7] عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. [8] ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قال: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قال: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لا. قال: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلكٍ؟ قُلْتُ: لا. قال: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قال: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قال: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً [9] لدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لا. قال: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لا. قال: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قال: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شيئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلمَةِ. قال: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قال: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، [10] يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قال: مَاذَا يَامُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَامُرُنَا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ للتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا. [11] وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَاتَسِي [12] بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلكٍ، قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ليَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمِ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُل. وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلكَ أَمْرُ الإيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، وَكَذَلكَ الإيمَانُ حِينَ تُخَالطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، وَكَذَلكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَامُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَامُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأوْثَانِ، [13] وَيَامُرُكُمْ بِالصَّلاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ، [14] لَتَجَشَّمْتُ [15] لقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: «بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ
(1) سميت أرض الشام شأما لأنها عن يسار الكعبة.
(2) أي: جعل بينه وبينه مدة صلح.
(3) أي: بيت المقدس.
(4) الترجمان. هو من يفسر لغة بلغة.
(5) الزعم -مثلث الزاي- وأصله في المشكوك فيه، وقد يطلق على الكذب، وقد يطلق على المحقق وعلى مطلق القول، ويتميز بالقرينة.
(6) بالتخفيف أي: أخبرني بالكذب.
(7) يقال: أثرت الحديث بالقصر آثره بالمد وضم المثلثة أثرًا بسكونها إذا حدثت به؟
(8) أي: عليه.
(9) بفتح السين وتضم أي: كراهية، ويقال: السخط والسخط كالسقم والسقم.
(10) أي: مرة كذا ومرة كذا، مأخوذ من مساجلة المستقيين حيث يدلى هذا سجله مرة وهذا مرة.
(11) أي: في شرف بيوت قومها.
(12) أي: يتبع ويقتدي.
(13) جمع وثن، وهو ما كان صورة من حجارة أو غيرها، وقال الأزهري: ما كان له جثة وثن، وما كان صورة بغير جثة فهر صنم، ومنهم من لم يفرق.
(14) خلص فلان إلى فلان وصل إليه، ويطلق على السلامة والنجاة.
(15) أي: تكلفت.