أخرج الإمام البخاري رحمه الله من حديث جابر - رضي الله عنه - أنه غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قِبَل نجد، فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه [1] ، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر ونزلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة، فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعونا فجئناه فإذا عنده إعرابي جالس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده متكئًا، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله فها هو ذا جالس"ثم لم يعاقبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه البخاري ومسلم وقد سبق.
وقد جاء في رواية أخرى للإمام البخاري أن اسم هذا الأعرابي"غوْرث بن الحارث".
في هذا الخبر مواقف: الموقف الأول: في اتصاف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتوكل على الله تعالى والاعتماد عليه في النصر على الأعداء، فحينما قال له غورث بن الحارث: من يمنعك مني؟ قال:"الله"وهذا يُعدُّ درسًا للأمة في اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى واستمداد النصر منه وحده.
الموقف الثاني: في اتصاف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشجاعة الفذَّة ورباطة الجأش حيث كان ثابت القلب، هادئ النفسِ والسيفُ في يد عدوه مُصلتًا وهو مجرَّد من السلاح.
الموقف الثالث: في اتصاف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعفو عند المقدرة، فقد عفا عن ذلك الأعرابي وهو مستحق العقوبة، والعفو عند المقدرة خصلة عظيمة لا يقدر عليها الكاملون من الرجال.
ولا شك أن لهذا الخُلق الكريم أثرًا بالغًا في الدعوة إلى الإسلام، فقد جاء في بعض روايات هذا الخبر أن ذلك الأعرابي أسلم، وأنه رجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير. فتح الباري: (7/ 428) .
وأخرج الإمام البخاري من حديث علي - رضي الله عنه - قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا مرثد والزبير وكلنا فارس قال:"انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب"
(1) العضاه، شجر السمر الكبار.