وما أن بُعِثَ النبي - صلى الله عليه وسلم - نبيًا ورسولًا، حتى عادته قريش واجتمعت عليه، وقال قائلهم: إنكم قد فرغتم محمدًا من همه فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن! ورد أبو لهب زواج ابنيه من ابنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلًا لولديه: رأسي من رأسيكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمدًا. وعادت الفتاتان إلى ذويهما ولم يكن الدخول قد تم، وبالغ أبو لهب وامرأته أم جميل حمالة الحطب بالغا في أذية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل قول الله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) } . سورة المسد. [1]
وعن قتادة بن دعامة قال: كانت رقية عند عتبة بن لهب، فلما أنزل الله تبارك وتعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) } سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عتبة طلاق رقية، وسألته رقية ذلك فطلقها فتزوج عثمان بن عفان رقية وتوفيت عنده. [2]
وذكر أن أم جميل حمالة الحطب، حين سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق - رضي الله عنهم -، وفي يدها فهر من حجارة - قطعة تملأ الكف - فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة، ثم قالت: مُذَمَّما [3] عَصَينا وأمرَه أبَيْنا ودينَه قَلَيْنا
(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (8/ 29) .
(2) رواه الطبراني في الكبير (22/ 434) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/ 216،217) الإسناد حسن - أي إلى قائله - حياة الصحابيات (227) .
(3) كانت قريش تسب مذمما وتشتمه، وهذا خلاف محمد، وبهذا يصرف الله تعالى عن رسوله شتمهم لنبييه - صلى الله عليه وسلم -.
عن أبي هريرة - رضي الله عنهم -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش و لعنهم يشتمون مذمما و يلعنون مذمما و أنا محمد. أخرجه البخاري في صحيحه.