بذلك وخصوصا بعد أن أنزل الله عز وجل سورة النصر وأشار - صلى الله عليه وسلم - لذلك حيث قال في حجة الوداع:"إني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا"، وأنزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع وأنه نعيت إليه نفسه.
وقال: إن الله عز وجل إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره.
وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة إلى أحد فصلي على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات.
وخرج في منتصف الليل إلى البَقِيع فاستغفر لهم، وقال:"السلام عليكم يا أهل المقابر، لِيَهْنَ لكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، والآخرة شر من الأولى"، وبشرهم قائلًا:"إنا بكم للاحقون".
وثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم المرض، فجعل يسأل أزواجه: أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ ففهمن مراده، فأذن له يكون حيث شاء، فانتقل إلى بيت عائشة يمشي بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب، عاصبًا رأسه، تخط قدماه حتى دخل بيتها، فقضي عندها آخر أسبوع من حياته.
وكانت عائشة تقرأ بالمعوذات والأدعية التي حفظتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تنفث على نفسه، وتمسحه بيده رجاء البركة.
وعند العشاء زاد ثقل المرض، بحيث لم يستطع الخروج إلى المسجد، قالت عائشة: فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أصَلَّى الناس"؟ قلنا: لا يا رسول الله، وهم ينتظرونك، قال:"ضعوا لي ماء في المِخْضَب"، ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال:"أصلى الناس"؟ ووقع ثانيًا وثالثًا ما وقع في المرة الأولى من الاغتسال ثم الإغماء حينما أراد أن ينوء فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فقال أبو بكر: يا عمر! صل بالناس! فقال: أنت أحق إنما أرسل إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام.