ثم وجد رسول الله صلى الله عليه و سلم من نفسه خفة فخرج لصلاة الظهر بين العباس وعلي وقال لهما: أجلساني عن يساره فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس والناس يصلون بصلاة أبي بكر ثم وجد خفة صلى الله عليه وسلم فخرج فصلى خلف أبي بكر قاعدا في ثوب واحد ثم قام وهو عاصب رأسه بخرقة.
ثم صعد المنبر حتى جلس عليه وكان آخر مجلس جلسه، فحمد الله وأثني عليه، ثم قال:"أيها الناس إلي، فثابوا إليه، فقال فيما قال: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ـ وفي رواية: قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ـ وقال: لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد".
وعرض نفسه للقصاص قائلًا:"من كنت جلدت له ظَهْرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عِرْضًا فهذا عرضي فليستقد منه".
ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر، وعاد لمقالته الأولى، فقال رجل: إن لي عندك ثلاثة دراهم، فقال: أعطه يا فضل، ثم أوصي بالأنصار قائلًا:"أوصيكم بالأنصار، فإنهم كِرْشِي وعَيْبَتِي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من مُحْسِنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم".
وفي رواية أنه قال:"إن الناس يكثرون وتَقِلُّ الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرًا يضر فيه أحدًا أو ينفعه فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم".
ثم قال:"إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ذلك العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر".
قال أبو سعيد الخدري: فبكي أبو بكر قال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا.