وقد أسلفنا أن أبا لهب كان يجول خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في موسم الحج والأسواق لتكذيبه، وقد روى طارق بن عبدالله المحا ربى ما يفيد أنه كان لا يقتصر على التكذيب بل كان يضربه بالحجر حتى يدمى عقباه وكانت امرأة أبي لهب أم جميل أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان لا تقل عن زوجها في عداوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كانت تحمل الشوك، وتضعه في طريق النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى بابه ليلًا وكانت امرأة سليطة تبسط فيه لسانها وتطيل عليه الافتراء والدس وتؤجج نار الفتنة، وتثير حربًا شعواء على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب.
كان أبو لهب يفعل كل ذلك وهو عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاره كان بيته ملصقا ببيته كما كان غيره من جيران رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤذونه وهو في بيته قال ابن إسحاق: كان النفر الذين يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته أبا لهب والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدى بن حمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلي وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص فكان أحدهم يطرح على النبي - صلى الله عليه وسلم - رحم الشاة وهو يصلى، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجرًا ليستتر به منهم إذا صلى فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود، فيقف به على بابه، ثم يقول:"يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟"ثم يلقيه في الطريق. وازداد عقبة بن أبي مُعَيْط في شقاوته وخبثه، فقد روى البخاري عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلى عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس؛ إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسَلاَ جَزُور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد فانبعث أشقى القوم وهو عقبة بن أبي معيط فجاء به فنظر حتى إذا سجد النبي وضع على ظهره بين كتفيه وأنا أنظر لا أغنى شيئًا لو كانت لي منعة، قال فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعضهم أي يتمايل بعضهم على بعض مرحًا وبطرًا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساجد، لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة، فطرحته عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال:"اللهم عليك بقريش"ثلاث مرات فشق ذلك عليهم إذ دعا عليهم قال وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك