فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 427

وجهه، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلى، زعم ليطأ رقبته، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه، فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحةً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا". [1]

هذه صورة مصغرة جدًا لما كان يتلقاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون من الظلم والخسف والجور على أيدي طغاة المشركين، الذين كانوا يزعمون أنهم أهل الله وسكان حرمه. وكان من مقتضيات هذه الظروف المتأزمة أن يختار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موقفًا حازمًا ينقذ به المسلمين عما دهمهم من البلاء، ويخفف وطأته بقدر المستطاع، وقد اتخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطوتين حكيمتين كان لهما أثرهما في تسيير الدعوة وتحقيق الهدف، وهما: 1 ـ اختيار دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومى مركزا للدعوة ومقرًا للتربية.

2 ـ أمر المسلمين بالهجرة إلى الحبشة.

دار الأرقم: كانت هذه الدار في أصل الصفا، بعيدة عن أعين الطغاة ومجالسهم، فاختارها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليجتمع فيها بالمسلمين سرًا، فيتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة؛ وليؤدى المسلمون عبادتهم وأعمالهم، ويتلقوا ما أنزل الله على رسوله وهم في أمن وسلام، وليدخل من يدخل في الإسلام ولا يعلم به الطغاة من أصحاب السطوة والنقمة.

ومما لم يكن يشك فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو اجتمع بالمسلمين علنا لحاول المشركون بكل ما عندهم من القسوة والغلظة أن يحولوا بينه وبين ما يريد من تزكية نفوسهم ومن تعليمهم الكتاب والحكمة، وربما أفضى ذلك إلى مصادمة الفريقين، بل قد وقع ذلك فعلًا. فقد ذكر ابن إسحاق أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يجتمعون في الشعاب، فيصلون فيها سرًا، فرآهم نفر من كفار قريش، فسبوهم وقاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلًا فسال دمه، وكان أول دم أهريق في الإسلام. ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم، فكان من الحكمة السريةُ والاختفاء، فكان عامة الصحابة يُخْفُون إسلامهم وعبادتهم واجتماعهم، أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهرإني المشركين، لا يصرفه

(1) "صحيح الجامع برقم (5269) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت