الأمر الأول: تعدد المباحث الفقهية التي تتعلق بالقرابة من نكاح, ووصية, ووقف, وإرث, وعقل, واختلاف المعنى في كل مبحث عن الآخر.
الأمر الثاني: لم يزد الفقهاء عند تعريفهم للقرابة عن ذكر المعنى اللغوي الذي يتناسب مع طبيعة البحث.
وعلى هذا فإن الفقهاء استعملوا لفظ القرابة تارة بمعنى (النسب) وتارة بمعنى
(الرحم) وتارة بمعنى (العصبة) ويرجع سبب اختلافهم في هذا الاستعمال إلى أمرين:
-أولهما: أن القرابة لفظ عام صالح لكل هذه المعاني, ومن ثم يشمل كل قريب كما
أن الأقارب ليسوا على درجة واحدة بل درجات ومراتب متفاوتة.
-ثانيهما: إن الأحكام التي تثبت للقريب من النسب غير الأحكام التي تثبت للقريب
من الرضاع, فالقرابة التي توجب الميراث مثلا غير القرابة التي تثبت حرمة
المصاهرة, والكل يسمى قرابة, فكان استعمال الفقهاء لمعنى من المعاني
بحسب طبيعة البحث, ومطابقته للمعنى المراد.
وبهذا يشمل لفظ القرابة كل قريب سواء كان بالنسب, أو الرحم, أو المصاهرة, أوالرضاع وارثًا أو غير وارث وحينئذ يمكن تعريف القرابة في الشارع بأنهما: (صفة شرعية تثبت بسبب شرعي ويترتب عليها آثار شرعية) .
المطلب الثاني
في أنواع القرابة
تبين مما سبق أن القرابة لفظ عام يشمل كل قريب ... وأنها مراتب ودرجات متفاوتة على حسب القرب؛ ولهذا فإن القرابة ليست قاصرة على قرابة الدم فحسب, وعلى حد قول علماء الاجتماع: إن أي دراسة عميقة لاتساق القرابة تقتضي بالضرورة دراسة الناحيتين: القرابة بمعناها الضيق أي قرابة الدم, والقرابة بالمصاهرة أي: العلاقات الناشئة عن الزواج.
وتعتبر العائلة وبخاصة الصغيرة أو الأسرة هي نواة النظام القرابي كله, وإن كانت روابط القرابة تمتد وبخاصة في المجتمعات التقليدية إلى ما وراء حدود الأسرة بكثير, وتؤلف بناءً واحدًا, وقد تشمل معظم أفراد المجتمع أو المجتمع كله. [1]
وبهذا نتبين أن علاقتي النسب والمصاهرة لا تنسجان وحدهما شبكة القرابة [2] ؛ لأن القرابة تتحقق بأسباب أخرى كالرضاع, والولاء أوبدخول الفرد في دائرة القرابة بعرف اجتماعي كالحلف والجوار.
وهذا المعنى يُفهم من كلام فقهاء الحنفية والمالكية, حيث توسعوا في حقيقة العاقلة, وأنها تشمل المسلمين جميعًا بالأخوة في الدين, وقالوا المعنى في العقل هو النصرة.
فمتى وجدت - سواء في العصبة أو القبيلة أو الحلف- أخذوا حكمها وصاروا كالعصبات, وعلى هذا فالقرابة تنقسم إلى قسمين:
-القسم الأول: قرابة قريبة وهذه سوف يظهر أثرها كثيرًا في البحث؛ لأنها القرابة الحقيقية أو البيولوجية أي: الدموية.
-القسم الثاني: قرابة بعيدة - أي اجتماعية أو وهمية- كقرابات الحلف والجوار.
(1) - البناء الاجتماعي: د/ أحمد أبو زيد جـ 2/ 310.
(2) - القرابة دراسة أنثروبولوجية: د / كريم حسام الدين ص 145, 147, 179, بتصرف. وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق لعثمان بن علي الزيلعي الحنفي, وبهامشه حاشية الشلبي جـ 6/ 176 - 177 ومواهب الجليل للحطاب المتوفى سنة 954 هـ على مختصر خليل 6/ 266 ط- دار الفكر والحطاب هو: محمد بن محمد بن عبد الرحمن المولود سنة 902 هـ بطرابلس, والمتوفى سنة 954 هـ فقيه مالكي (شجرة النور الزكية في طبقات المالكية لمحمد بن مخلوف ص 364) ط دار الفكر العربي.