المطلب الثالث
في أثر قرابة المحارم على القصاص من المحرم.
لما كان أثر القرابة على القصاص لا وجه له إلا إذا كانت القرابة مانعًا من تنفيذه, فليس هذا الأثر لمطلق القرابة كما سبق؛ لأن القرابة مراتب ودرجات متفاوتة, فلما قويت الصلة بين الأصول والفروع وأثبت الشارع الحكيم أن للأصول حقوقًا على الفروع, كان لقرابة الأصول نوع أثر في منع القصاص على رأي جمهور الفقهاء, أما إذا بعدت درجة القرابة .... كما في قرابة المحارم فقد ذهب الفقهاء الذين قالوا بسقوط القصاص عن الأصول في حالة قتل الأصل لفرعه إلى أن قرابة المحارم لا أثر لها على القصاص, ومن ثم يُقاد للأخ من أخيه, والرجل من ابن عمه, وبهذا تكون قرابة المحارم غير مؤثرة على القصاص مطلقًا في النفس أو ما دونها أو في الجناية على الجنين عند من قال إنها تكون عمدًا [1] ... ولأن مذهب الظاهرية ومن وافقهم النافين لأثر القرابة مطلقًا سواء كانت في الأصول أو غيرهم من باب أولى , وقد اتفق مع الظهرية القائلون بأثر قرابة الأصول بمنع على أنهم لا أثر لقرابة المحارم, وبذلك لا أثر لقرابة المحارم على القصاص اتفاقًا, ويستدل على ذلك بالقياس من وجهين:
أولا: بقياس المحرم في ثبوت القصاص عليهم على قتل الفروع بالأصول, وثبوت القصاص عليهم من باب أولى.
ثانيًا: أن العلة المانعة في القصاص بين الأصول و الفروع غير متحققة في المحارم؛ لأن الشبهة المانعة من القصاص هي قرابة الأصول لفروعهم لا مطلق قرابة, حيث وفور شفقة الأصول على أبنائهم, وذلك لا يوجد في غير قرابة الأصول.
(1) - الأم للشافعي 6/ 51 - المجموع للنووي 18/ 364 - 365 - شرح كتاب النيل 15/ 95 - المغني لابن قدامة 7/ 668 - حاشية ابن عابدين 6/ 536 - شرح الزرقاني 8/ 30.