المبحث الثاني
في أثر القرابة على عقوبة الدية الواجبة
في الجناية في الفقه الإسلامي
الدية عقوبة من العقوبات المقدرة في الشريعة الإسلامية للجناية, وقدرها الشارع الحكيم في النفس بمائة من الإبل, لا تزيد ولا تنقص عن هذا المقدار, إلا أنها تختلف في أسنانها بحسب جسامة الجناية الموجبة لها, إذ العقوبات في الشريعة تتفاوت قوة وضعفًا بحسب نوع الجناية الموجبة لها. [1]
ورغم تقدير الشارع لمقدار الدية إلا أنها تقبل التأثير بالتغليظ أو التخفيف من عدة وجوه:
أولا: من حيث الحلول والتأجيل: ففي حالة أدائها غير مؤجلة يكون فيها نوع تشديد وتغليظ على الجاني, وفي حالة أدائها مؤجلة نوع تخفيف. [2]
ثانيًا: من حيث أسنانها: أي السن الواجب في أصناف الإبل, فدية العمد يجب فيها أربعون خلفة, وثلاثون جذعة, وثلاثون حقة, وكلهم من سن أكبر من الأصناف التي تجب في دية الخطأ كما سبق.
ثالثًا: من حيث جهة تحملها على الجاني وحده أم على العاقلة: أي في مشاركة العاقلة للجاني في الأداء نوع تخفيف بخلاف تحمل الجاني وحده فيه نوع تغليظ. [3]
من خلال ما سبق يتبين لنا أن عقوبة الدية وإن كانت مقدرة في الأصل إلا أنها تختلف بحسب الجريمة الموجبة لها, والظروف المحيطة بها ..
وسوف أبين في هذا المبحث أن كون الجناية بين الأقارب يعد سببًا من أسباب تغيظ اية على رأي بعض الفقهاء, وأثر القرابة لا يخرج عن هذه الوجوه السابقة, سواء بالتخفيف أوالتغليظ إلا أنه لا يكاد يظهر بوضوح إلا في حاتين:
الحالة الأولى: حالة التغليظ في أسنان الإبل باشتراط أسنان خاصة في أصناف الإبل الواجبة في دية القتل بين الأقارب. [4]
(1) - المبسوط للسرخسي 26/ 60 - 61 - المغني والشرح الكبير 9/ 491.
(2) - بداية المجتهد 2/ 528 - 529 - بتصرف.- حواشي الشرواني وابن قاسم 8/ 451 - روضة الطالبين 7/ 121 - بتصرف.- المحلى لابن حزم 10/ 389 - بتصرف- فتح الباري شرح صحيح البخاري 12/ 214.
(3) - حاشية الخرشي 5/ 273 - حاشية ابن عابدين 6/ 573 - شرائع الإسلام 4/ 246 - العقوبة للشيخ أبو زهرة ص 565.
(4) - مغني المحتاج 4/ 54 - المغني لابن قدامة 7/ 667 - حواشي الشرواني وابن قاسم 8/ 452.