القول الثاني: وهو للحنفية [1] في رواية أن الجاهل بالتحريم أو المحرمية أو بهما معًا عقوبته تعزيرية, فيعزر بحسب حاله؛ لأنه جهل أمرًا لا يخفى عادة.
قال ابن عابدين في شرحه على قول صاحب الدر: (( إن لم يكن عالمًا فلا حد ولا عقوبة تعزير ) ). المراد به نفي الأشد من التعزير, فلا يتنافى أنه يعزر بما يليق به بحسب حاله, حيث جهل أمرًا لا يخفى عادة. [2] وسواء على القول بأنه لا شيء على من عقد على ذات محرم جاهلا أو أن يعزر فلا أثر للقرابة في هذا, وإنما المؤثر على العقوبة سواء بالمحو أو التخفيف هو الجهل؛ لأن الجاهل معذور في فعله سواء كان قريبًا أو أجنبيًا بلا فرق.
اختلف الفقهاء في القرابة هل تؤثر على من عقد على ذات محرم عالمًا بالتحريم أو لا على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: ذهب المالكية, والشافعية, والصاحبان, ورواية للحنابلة [3] إلى أن القرابة لا أثر لها على عقوبة من عقد على ذات محرم عالمًا بالتحريم, وأن حده كحد الزنا بلا فرق بين كونه محرمًا لها أو أجنبيًا عنها, فيجلد ويضرب إن كان غير محصن, ويرجم محصنًا, فالقرابة ليس لها أثر على العقوبة, وهذا يحتمل أن القرابة لم تؤثر عندهم؛ لأن عقوبة الزاني في نفسها مغلظة, والمغلظ لا يغلظ. والفرق بين من عقد على ذات محرم, ومن عقد على أجنبية (غير محرم) أن وطء الأجنبية بالعقد ينفي وصف الجريمة, أما وطء المحرم بالعقد فموجب لحد الزنا بحسب حاله, فالعقد لاغي ولا اعتبار له لوروده على غير محله؛ لأن الله أخرج المحارم عن محلية عقد النكاح.
واستدلوا على ذلك: بعموم الأدلة التي لم تفرق بين عقوبة من زنى بذات محرم, أو زنى بغير محرم؛ وأن العقد لا يفيد لوروده على غير محله.
(1) - حاشية ابن عابدين 3/ 154.
(2) - المرجع السابق.
(3) - حاشية الدسوقي 4/ 316 - مغني المحتاج 4/ 146 - بدائع الصنائع 7/ 35 - المغني لابن قدامة 8/ 182 - المبسوط 9/ 96 - الهداية 2/ 102.