المبحث الأول
أثر القرابة على جريمة الحرابة في الفقه الإسلامي
مما سبق يتبين أن جريمة الحرابة مركبة من جرائم متعددة لأنه يجتمع فيها أكثر من فعل يستوجب العقوبة, وهذه الجرائم تتنوع إلى نوعين:
النوع الأول: ما هو حق لله تعالى كإخافة السبيل باتفاق الفقهاء؛ لأنه خروج على أمن المجتمع والمحاربين فيها ارتكبوا معصية لها عقوبة مقدرة هي: النفي, أو الحبس عند الجمهور من الحنفية, والشافعية, والحنابلة [1] , وعند المالكية والظاهرية الإمام مخير في عقوبتهم حسب المصلحة. [2]
وهذا النوع من جرائم الحرابة لا أثر للقرابة عليه لكونه حقًا خالصًا لله تعالى, والقرابة لا تؤثر على حق الله تعالى. [3] فالمحاربة بإخافة السبيل معصية فيها اعتداء على حق الله؛ لقوله تعالى: (( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (( المائدة:33) , والحق فيها لله تعالى باتفاق الفقهاء, وكل ما كان كذلك فلا أثر للقرابة في إسقاطه.
النوع الثاني: من جرائم الحرابة ما هو مشترك بين حق الله, وحق الآدمي, ويشمل باقي جرائم الحرابة وقد اختلف الفقهاء في القرابة هل تؤثر عليها أم لا؟ تبعًا لاختلافهم في المغلب فيها من حق الله, أو حق الآدمي على قولين:
القول الأول: ذهب المالكية, والظاهرية, والإمامية إلى أن جرائم الحرابة كلها الحق فيها لله خالصًا سواء كانت المحاربة بإخافة السبيل فقط, أو بالقتل, أو بأخذ المال, أو على الفروج, أو باجتماع هذه الجرائم كلها أو بعضها, فالحق فيها لله والإمام مخير في توقيع أي العقوبات المقررة لجرائم الحرابة بحصول أي جريمة منها من القطاع, ووافقهم الحنفية في
(1) - المبسوط للسرخسي 9/ 197 - 202 - مغني المحتاج 4/ 183 - المغني لابن قدامة 8/ 290.
(2) - حاشية الدسوقي 4/ 350 - المحلى 11/ 312 - 313 - شرائع الإسلام 4/ 181 - 182.
(3) - نفس المراجع السابقة للرأيين.