ثانيها: أن قياس الحرابة على السرقة قياس أصل على أصل وهو مختلف فيه؛ لأن القياس قياس فرع على أصل ... ولو سلمنا ذلك ... فهو قياس الأعلى بالأدنى والأدنى بالأسفل وذلك عكس للقياس. [1]
ثالثها: لو سلمنا ذلك فكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق, وهو يطلب خطف المال خفية, فإن شعر بأحد فر وهرب بخلاف المحارب فهو يتعرض للمارة بالسلب والتخويف والقتل وغير ذلك, كما أن المحارب إذا دخل بالسلاح يطلب المال فإن منع أو صيح عليه وحارب فهو محارب يحكم عليه بحكم المحارب. [2]
مما سبق يتبين لنا أن القرابة لا أثر لها على جريمة القتل وإخافة السبيل باتفاق الفقهاء جميعًا؛ لأنها من الجرائم التي وجبت حقًا لله تعالى- كما أنها جريمة مغلظة لما فيها من الفساد في الأرض, وبذلك تخالف سائر الجرائم العامة في غير الحرابة.
كما أن الحنابلة الذين قالوا بأن اخذ الوالد من مال ولده لغير حاجة لا يعد جريمة بشرط ألا يكون ذلك مصحوبًا بضرب للولد [3] أوفيه إجحاف بحقه, وإلا فهو جريمة فمن باب أولى لا ينتفي وصف الجريمة عن غير الأب من ذوي القرابات إذا قطع الطريق على قريبه, وأخذ من ماله من حرز أو من غير حرز نصابًا أو غيره؛ لأنه إذا توافر فيه قصد الفساد والاعتداء على المصالح, فلا تكون القرابة شبهة في محو وصف جريمته أو تحقيقها, بل الأولى هو العكس أن تكون القرابة سببًا في تشديد وصف الجريمة عليه أو العقوبة؛ لأنه قطع رحمه, ما وصلها بإفساده في الأرض, فإذا كان قد ارتكب جريمة حرابة وأخذ مالا فقد خالف أمر الله في الإحسان لذي القربى لكن لما كانت القاعدة انه لا يجتمع تغليظان على مغلظ واحد لم يقل بذلك أحد الفقهاء؛ لأن المغلظ لا يغلظ. [4]
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/ 249.
(2) - حاشية الدسوقي 4/ 350 - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/ 249 - المحلى 11/ 312.
(3) - المغني لابن قدامة 5/ 681.
(4) - الأشباه والنظائر للسيوطي ص 152.