واستدلوا على ذلك بعموم الأدلة التي لم تفرق في عقوبة السرقة بين القريب رضاعًا والأجنبي كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (( المائدة: 38)
وعللوا عدم تأثير القرابة بالرضاع على عقوبة السرقة بأن الثابت بهذه القرابة ليس إلا الحرمة المؤبدة للنكاح وأنها لا تمنع وجوب القطع قياسًا على المحرمية الثابتة بالزنا, كما لو سرق من أم موطوءته من الزنا, فلا تأثير للمحرمية بالرضاع في المنع من وجوب القطع قياسًا على عدم تأثير المحرمية بالزنا أو قياسًا على المحرمية الثابتة بالمصاهرة بعد ارتفاع النكاح؛ لذا قالوا: فالمحرمية وحدها لا تحترم. [1]
القول الثاني: ذهب أبو يوسف [2] إلى أن لقرابة الأم بالرضاع فقط أثرًا في منع عقوبة السرقة, فلو سرق من أمه رضاعًا لا يقطع فقط بخلاف غير الأم, فلو سرق من أخته وغيرها يقطع.
وعلل ذلك: بأن المباسطة بينهما في الدخول ثابتة عرقًا وعادة, وأن الأبن يدخل في منزل أمه رضاعًا من غير إذن كما يدخل في منزل أمه من النسب بخلاف الأخت وغيرها, فلا تأثير لها في ذلك لانعدام هذا المعنى فيها. [3]
ويرد على أبي يوسف بأمرين:
الأمر الأول: أن الأمية من الرضاعة والأختية متساويتان في المحرمية, فلو كانت الأمية مؤثرة في إسقاط القطع, لزم أن تكون الأختية كذلك مؤثرة قياسًا على اتفاق الأختية والأمية من النسب في إسقاط العقوبة.
الأمر الثاني: لا مباسطة بين قرابات الرضاع؛ لأنه قلما يشتهر والتهمة بينهم لا تغتفر بخلاف النسب, فالمباسطة بينهم ثابتة بالولادة؛ لأجل الزيارة وصلة الرحم. [4]
الراجح: مما سبق تبين قوة أدلة رأي جمهور الفقهاء وضعف ما اتدل به أبو وسف؛ لأن الرضاع قلما يشتهر ولا مباسطة بينهم بخلاف النسب .. . فالراجح أن يقطع من سرق أمه رضاعًا أو أخته بلا فرق بينهم كالأجانب.
(1) - المبسوط 9/ 190 - شرح فتح القدير 5/ 382 - الاختيار 4/ 109.
(2) - بدائع الصنائع 7/ 75 - شرح ملتقى الأبحر ص 347.
(3) - بدائع الصنائع 7/ 75 - شرح ملتقى الأبحر ص 347.
(4) - المبسوط 9/ 190 - شرح فتح القدير 5/ 382 - حاشية ابن عابدين 3/ 194 - 195.