بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, الملك الحق المبين, والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وصفوة خلق الله أجمعين , سيدنا محمد وآله وأصحابه والتابعين ... وبعد ..
فإن الشريعة الإسلامية هي آخر الشرائع الإلهية التي جاءت لتحقيق سعادة البشرية, وهدايتهم إلى ما فيه الخير والرشاد؛ ولذا فإنها جاءت جامعة مانعة كاملة البيان, وافية بأغراض البشر ومقاصدهم, ومسايرة لجميع الأزمنة والأمكنة, فنظمت علاقة الإنسان بخالقه ومولاه, وعلاقته بأخيه الإنسان على أتم تنظيم وأكمل بيان.
وسلكت الشريعة مسلكًا فريدًا في قانون العقوبات للمحافظة على مصالح الناس, وحماية المجتمع من الرذيلة, وما يهدم كيان المجتمعات؛ ذلك لأن المشرع الحكيم يريد من مجتمع الإسلام مجتمعًا عريقة أصوله, متعاونة أفراده على البر والخير, ولا يتحقق ذلك إلا إذا كانت علاقة الإنسان بخاصته وقرابته قائمة على المودة والتراحم والاحتشام, لاسيما وأن هذه القرابات هي أصل تكوين المجتمعات أو هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمعات.
لذا فقد ميز الشارع الحكيم قرابات الإنسان بمزيد من الرعاية والبر والإحسان, بل وتوعد القاطع لرحمه بأشد أنواع العذاب, وذلك محافظة على الأنساب, وتكريمًا لبني الإنسان, فأثبت لهم الولاية, وحرم الزواج بأخص القرابات, وعلل ذلك (بقوله:(( إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ) ) [1]
وفي باب التجريم والعقاب ميز الشارع الحكيم القرابة في بعض صورها: فقد تكون مانعًا من تحقق وصف الجريمة, أوسببًا في تخفيفها, أوتغليظها, أومانعًا من العقوبة بعد تحقق وصف الجريمة, أوسببًا في تخفيفها أوتشديدها, وهذا يدل على إحكام الشرع الحنيف وترابط أحكامه وفروعه.
(1) - أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب: النكاح, باب: لا تنكح المرأة على عمتها جـ 3/ 365.