المطلب الثالث
في أثر القرابة في تجريم قتل القريب لقريبه المتطلع على عورات بيته
من صور الدفاع الشرعي التي أباحها الإسلام للمحافظة على الكليات الخمس التي لا تقوم الحياة إلا بصيانتها دفع الصائل, وله صور كثيرة:
ومن هذه الصور دفع المتعدي بالتطلع على عورات البيوت بغير إذن لما رواه أبو هريرة (أن رسول الله (قال:(( لو أن رجلا اطلع, وقال مرة: لو أن امرأ اطلع بغير إذنك فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح ) ) [1] فالحديث دل على تحريم الاطلاع على الغير بغير إذنه, وأن من اطلع قاصدًا النظر إلى محل غيره مما لا يجوز الدخول إليه إلا بإذن مالكه, فإنه يجوز للمطلع عليه دفعه بما ذكر في الحديث ولا ضمان عليه.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب الحنفية [2] ورواية للمالكية [3] إلى أنه لا يحل رمي المتطلع إلى عورة البيت بحال وإن رماه وأصاب منه عضوًا ضمنه قياسًا على ما لو نال من امرأته ما دون الفرج لا يحل له أن يجني عليه جناية على النفس أو ما دونها.
القول الثاني: وهو للمالكية [4] فقد قالوا بالضمان كذلك, وفرقوا بين حالتين:
الأولى: ما لو قصد المنظور إليه عين الناظر ورماها بحجر ففقأها فإنه يضمن بالقصاص.
الثانية: إن قصد مجرد الزجر فرماه بحجر ففقأ عينه فلا ضمان أي: لا قود ولكن تبقى الدية على عاقلة المعتدي؛ لأنها جناية خطأ سوء في النفس أو ما دونها.
القول الثالث: وهو للشافعية [5] , والحنابلة [6] , فذهبوا إلى أن من اطلع على آخر بغير إذنه فرماه, وأصاب منه عضوًا أو نفسًا فلا ضمان عليه.
(1) أخرجه البخاري, كتاب الديات, باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له 12/ 243, ومسلم كتاب الآداب باب تحريم النظر في بيت غيره 3/ 169.
(2) - حاشية ابن عابدين 6/ 550.
(3) - مواهب الجليل 6/ 322.
(4) - شرح الزرقاني على مختصر خليل 4/ 117 - حاشية الخرشي 5/ 352 - 354.
(5) - الأم للشافعي 6/ 48 - المهذب للشيرازي 2/ 225.
(6) - المغني لابن قدامة 8/ 336.