قال ابن كثير [1] : لم يرد إبراهيم على أبيه الإساءة لحرمة الأبوة.
ونقل ابن عابدين [2] : عن فصول العلامي: (( إذا رأى منكرًا من والديه يأمرهما مرة فإن قبلا فبها, وإن كرها سكتا عنهما, واشتغل بالدعاء لهما والاستغفار فإن الله يكفيه ما أهمه من أمرهما ) )وساق مسألة توضح ذلك المعنى فقال: (( لو أن ولدا له أم أرملة تخرج إلى وليمة غيرها, فخاف عليها الفساد ليس له منعها, بل يرفع أمرها للحاكم؛ ليمنعها أو يأمره بمنعها ) ).
قال الغزالي [3] : (( وليس للولد الحسبة إلا بالمرتبتين الأوليين: النصح والتعريف, وليس له ما عدا ذلك حتى لا يؤذي والديه ) )
ومن ثم فلو تجاوز الابن حدود هذا الحق مع والديه يعد مرتكبًا لجناية في حق والديه.
وإن كان الفقهاء لم يوضحوا نوعية هذه الجناية, إلا أنه يكون آثمًا ي توبيخهما أو ضربهما لاسيما القتل, وتعد جريمة بالمعنى العام؛ لأنه خالف ما أمر الله به من وجوب الطاعة والإحسان إليهما, ومصاحبتهما بالمعروف ولو كانا كافرين.
ولاشك أنه إذا قتل الابن أباه في مثل هذه الحالات يكون معاقبًا بأشد العقاب, ويضمن جنايته من باب أولى؛ لأنه ممنوع من التدرج معهما في الدفع إلا بالمرتبتين الأوليين, التعريف والوعظ برفق ولين, فلو تعدى ذلك حرم ويضمن جنايته, ويكون مستوجبًا للعقوبة؛ لأنه فعل كبيرة أوفاحشة.
والعلة في هذا: عظم حق الوالدين على الأبناء كما يقول ابن كثير؛ لحرمة الأبوة, وهي صفة لا توجد إلا في الأصول: وصف ذاتي لا ينفك عن الإنسان؛ لأنه طبيعي لا يتغير.
وبهذا تكون القرابة مجرمة للاعتداء على الوالدين مطلقًا من قبل أبناءهم حتى ولو كانا متلبسين بالمنكر, وقياسًا على الأب الحربي, فلا يجوز للابن أن يرتكب قتله عمدًا بالمباشرة؛ لأن فيه نوعًا من قطيعة الرحم وغلظة تأباها روح العلاقة الدموية بين الابن وأبيه.
(1) - ابن كثير: إسماعيل بن عمرو بن كثير أبو الفداء مفسر مشهور ولد سنة 701 هـ وتوفي سنة 774 هـ - معجم المؤلفين لرضا كحالة جـ 3/ 283 ط دار إحياء التراث العربي - طبقات المفسرين للداوودي 1/ 110 - 111.
(2) - ابن عابدين: هو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين إمام الحنفية في عصره, ولد سنة 1098 هـ وتوفي سنة 1252 هـ (الفتح المبين على طبقات الأصوليين 7/ 147)
(3) - الإحياء للغزالي 2/ 314 بتصرف- ومجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي 6/ 631 - الفروق للقرافي جـ 4/ 255 - حاشية ابن عابدين 3/ 255.