وقد اختلف الفقهاء في أنه هل يجوز للولد دفع والديه عن فعل المنكر بالتهديد والضرب أو القتل:
فذهب جمهور الفقهاء: وهم الحنفية [1] , والمالكية [2] , والشافعية [3] إلى أن الولد لا يجوز له دفع والديه عن المنكر بالتعنيف والضرب أو القتل, فلا يجوز له إلا التعريف والوعظ برفق, ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة.
وذلك يجعل للقرابة أثر في تجريم الفعل المباح في حق غير الأب, فهناك فرق بينه وبين غيره في تغيير المنكر .... جاز ضرب وقتل المتلبس بالمنكر من الأجانب, أما في الأب فلا يجوز أن يرتكب الابن مع أبيه جناية على النفس أو ما دونها.
العلة في هذا: حرمة الأبوة فليس على الابن مع أبويه إلا أن يدفعهما برفق ويبذل لهما النصيحة من غير معانفة في القول ولا يغلظ, ويستغفر الله لهما عسى الله أن يهديهما.
قال القرافي: [4] (( والوالدان يؤمران بالمعروف وينهيان عن المنكر, قال مالك: (( ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة, وليس من خفض الجناح القتل والضرب ) ) [5]
وقال الغزالي [6] : (( والأصل في هذا: أن الله حرم على الولد أن يقول لولديه: أف. وأمره بالإحسان إليهما في كل وقت وإن كانا كافرين ) ) [7]
قال تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي .... (( لقمان:15) وإن إبراهيم عليه السلام لما دعا أباه (آذر) أن يترك عبادة الأصنام هدده أبوه وأغلظ عليه في القول وقال له: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (( مريم:46) فرد إبراهيم عليه السلام برفق, ولم يرد الإساءة بالإساءة بل طلب له من الله الهداية والمغفرة.
(1) - حاشية ابن عابدين 3/ 255.
(2) - الفروق للقرافي الفرق السبعون بعد المائتين جـ 4/ 255.
(3) - إحياء علوم الدين للغزالي جـ 2/ 314, وأسمى المطالب جـ 4/ 180.
(4) - القرافي: هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي الصنهاجي المصري الإمام العلامة صاحب الفروق والقواعد وشرح فصول الإمام الرازي توفي سنة 684 هـ يراجع: (شجرة النور الزكية ص 188 - 189)
(5) - الفروق للقرافي جـ 4/ 225 بتصرف- تفسير أبي السعود 2/ 160, 5/ 116, بتصرف - تفسير الخازن المسمى بباب التأويل في ما في التنزيل لعلاء الدين على ابن محمد البغدادي جـ 3/ 161.
(6) - الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد أبو حامد الغزالي, توفي بطوس سنة 505 هـ وهو شافعي المذهب تلميذ إمام الحرمين, شذرات الذهب جـ 4/ 10.
(7) - إحياء علوم الدين للغزالي 2/ 314.