القول الثاني: ذهب الحنفية, والشافعية, والحنابلة إلى توزيع العقوبات السابقة بحسب شدة الجريمة. [1] ففي حالة القتل يقتل حدًا أو قصاصًا, وفي حالة القتل وأخذ المال ذهب الحنفية في رواية, والشافعية, الحنابلة إلى أنه يقتل ثم يصلب معًا ولا قطع عليه. [2] وذهب الحنفية في رواية إلى أن الإمام مخير بين قتله ثم صلبه أو قطعه ثم قتله أو صلبه حيًا ثم قتله. [3]
وفي حالة أخذ المال فقط فعقوبته أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى من خلاف عقوبة واحدة, وفي حالة إخافة السبيل فعقوبته النفي في الأرض أو التعزير بحسب المصلحة. [4]
والسبب في اختلافهم يرجع إلى أمرين:
الأمر الأول: اختلافهم في كلمة (أو) الواردة في آية الحرابة هل هي للتنويع والتوزيع كما ذهب الحنفية, والشافعية, والحنابلة [5] أوللتخيير كما ذهب المالكية والظاهرية. [6]
الأمر الثاني: مراعاة مناسبة العقوبة للجريمة في الشدة, فعقوبة من أخاف السبيل فقط تختلف عن عقوبة أخذ المال أو قتل نفسًا محرمة, أو جمع بينهم, ولما كانت العقوبات الواجبة في الحرابة منها ما يختص بكونه حقًا لله تعالى كعقوبة النفي من الأرض إذ هي جزاء الفساد في الأرض, وهو عام على كل أفراد المجتمع, ولا يخص فردًا بذاته, ومنها ما هو من العقوبات المشتركة بين حق الله وحق الآدمي, ويغلب فيه حق الله تعالى عند البعض, أو يغلب فيه حق الآدمي عند البعض الآخر, لزم لبيان أقوال الفقهاء في أثر القرابة عليها؛ لأن القرابة إنما يتبين أثرها على العقوبات المستحقة للآدميين أو المشتركة بين حق الله وحق الآدمي, ويغلب فيه حق الآدمي كما هو رأي بعض الفقهاء.
(1) - بدائع الصنائع 7/ 94 - حاشية البيجرمي على الخطيب 4/ 180 - 181.
(2) - المغني لابن قدامة 8/ 287 - 292.
(3) - بدائع الصنائع 7/ 94 - كشاف القناع 6/ 150.
(4) الهداية 2/ 132 بتصرف - مغني المحتاج 4/ 182.
(5) - أحكام القرآن للجصاص 2/ 409 - 410 - الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 1/ 204 - ط دار المعرفة - مفاتيح الغيب للراازي 5/ 666 - السراج الوهاج على متن المنهاج للنووي 532 - كشاف القناع 6/ 150.وما بعدها بتصرف.
(6) - الشرح الصغير 6/ 222 وما بعدها- أحكام القرآن لابن العربي المالكي 2/ 600 وما بعدها - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/ 2248 - شرائع الإسلام 4/ 181.