الوجه الثاني: وهو مقابل الأصح- أن الأب والجد يضمنان ما سرت إليه أفعالهم الجائرة وعليه فلا أثر للقرابة في محو وصف الجناية, وليس للقرابة ميزة على غيرها, إذ الأب وغيره سواء في الضمان فهو مثل السلطان [1] .. واستدلوا على ذلك: بقياس الأب والجد على الإمام, فكما أن الإمام يضمن سراية التعزير وهو جائز, فكذا فعل الأب ما لا خطر فيه مباح فهو مقيد بالسلامة والمباح متروك للاجتهاد؛ ولذا يضمن كل منهما سرايته. [2]
فالقرابة لا أثر لها على الجناية, وإن كان لها أثر على العقوبة في نفي القصاص؛ لعدم توافر ركن العمد لوفور شفقة الأبوة أو لعلاقة الجزئية والبعضية.
الترجيح:
رجح الإمام النووي الرأي الثاني [3] القائل بانتفاء الضمان عن الأب والجد إذا فعلا ما يجوز لهما فعله وأدى إلى تلف وقال هو الأصح, وقطع به الجماهير, وهذا يعني أن القرابة مؤثرة في هذه الحالة في محو وصف الجناية كما يفهم من تعليله بأن ضمان الأب أو الجد ضررًا وإذا علم الولي بالضمان فسوف يمتنع عن الفعل فيتضرر من ذلك الصغير أو المحجور عليه.
فمعنى هذا أن لا ضمان أصلا - أي لا قصاص ولا دية ولا كفارة - فينتفي وصف الجناية كما عرفها الماوردي.
كما يرد على استدلال الوجه القائل بالضمان:
بأن قياس الأب على الإمام قياس مع الفارق؛ لأن التعزير مشروع للتأديب على الذنوب, أما الصغير فلا ذنب له؛ لأنه مرفوع عنه القلم .. كما أن التعزير متروك لاجتهاد الإمام فلا يفعل الأشد مع ظنه انزجاره بالأخف ... أما عمليات الفصد والحجامة فليست كذلك ..
فالراجح: هو الرأي القائل بانتفاء الضمان عن الأولياء جميعًا في تلف الصغير أو المحجور عليه من الفعل الجائز لهم, فالقرابة لها أثر في محو وصف الجناية على النفس أو ما دونها- أي قرابة الأصول الشاملة للأولياء كالأب والجد والأم؛ لوفور شفقتهم والولاية في حقهم أتم وأكمل. [4]
(1) -- مغني المحتاج 4/ 201.
(2) - حاشيتا القليوبي وعميرة 4/ 211, 212 - المذب للشيرازي 2/ 289 - حاشيتا الرشيدي والشبراملسي بهامش نهاية المحتاج للرملي 8/ 28 - 31 - بتصرف.
(3) - روضة الطالبين 7/ 387.
(4) - - مغني المحتاج 4/ 201.