الغزاليّ (1) حين أظهر بعض أسرار معاملة الدّين حيث رموه بالزّندقة والخروج من الدّين، فلا بدّ من كتمانه من غير أهله إلى أن يجيء وقت ظهوره بإذن الله تعالى فإنّ الأمور مرهونة بأوقاتها.
(شعر)
وللمرء أحوال وللحال فرصة ... وللدّهر أوقات وللوقت حادث
كما قال صلّى الله عليه وسلّم لعائشة (2) رضى الله عنها على ما رواه الشّيخان: «لو لا أنّ قومك حديثوا عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابا شرقيّا وبابا غربيّا وزدت فيها ستّة أذرع من الحجر فإنّ قريشا استقصرتها حين بنت الكعبة فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمّي لأريك ما تركوا منه» (3) الحديث.
فانظر: كيف ترك النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم أمرا مشروعا مخافة الفتنة في زمنه، وأشار إلى جواز فعل غيره ذلك الأمر في وقت آخر لعدم توقّع الفتنة، فلاح من هذا وجه بثّ المتأخّرين علوم الأسرار بالتّآليف والتّصانيف مع ستر المتقدّمين وكتمهم إيّاها، على أنّ قصدهم في ذلك إفادة أهلها دون غيرهم، ولهم في ذلك مقاصد أخرى حسنة يعلم بعضها من بعض هذه المكتوبات، (ع) فيالها قصّة في شرحها طول *
و لمّا كثرت تلك المكاتيب وانتشرت وفى أقطار الأرض انتثرت * قام بجمعها ثلاثة من كبار أصحابه حسب الإشارة والأمر * فجمعوها في ثلاثة مجلّدات وأودعوها في دولاب الدّهر * فبقيت على
(1) أبو حامد الغزالي: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي المعروف بالغزالي، زين الدين حجة الإسلام أبو حامد، ولد سنة: (450 هـ 1058 م) وتوفي سنة: (505 هـ 1111 م) حكيم متكلم فقيه أصولي صوفي مشارك في كثير من العلوم، ولد بالطايران إحدى قصبتي طوس بخراسان، تلمذ لإمام الحرمين الجويني وحضر مجلس نظام الملك، من تصانيفه الكثيرة: إحياء علوم الدين، تهافت الفلاسفة، الوجيز في فروع الشافعية، المستصفى في أصول الفقه، وغيرها كثير. انظر ترجمته في: الذهبي: سير أعلام النبلاء: 10/ 342، ابن خلكان: وفيات الأعيان: 1/ 586588، السبكي: طبقات الشافعية: 4/ 101182، ابن الجوزي: المنتظم: 9/ 169، ابن الأثير: اللباب: 2/ 170، ابن كثير: البداية والنهاية: 12/ 173، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب: 4/ 1013، ابن تغرى بردي: النجوم الزاهرة: 5/ 203.
(2) أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق: أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسه، الصديقة بنت الصديق، أمها أم رومان بنت عامر، خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وبنى عليها في شوال سنة ثنتين من الهجرة، كناها النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن الزبير، كانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة كثيرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين، ماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، ودفنت بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة. انظر: ابن حجر: الإصابة: 8/ 328329.
(3) حديث صحيح: أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الحج باب نقض الكعبة وبنائها، وأحمد في مسند عائشة، والنسائي: كتاب مناسك الحج باب بناء الكعبة حديث 2893، والترمذي: أبواب الحج والعمرة حديث: 876 جميعهم من حديث عائشة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.